FPN – سلام العبدلله
للأسبوع الثاني على التوالي، لا يزال غضب سكان مدينة القامشلي يجد طريقه إلى الساحات، حيث تستمر الاحتجاجات المنددة بالسياسات الاقتصادية التي أثقلت كاهل الأهالي في ظلّ التدهور الحاد في مستوى المعيشة والانهيار شبه الكامل في قطاع الخدمات الأساسية.
المشهد في القامشلي لم يعد مجرّد وقفات احتجاجية، بل تحوّل إلى صرخة وجودية في وجه واقع بات يهدد مقومات البقاء، إذ يرفع المشاركون فيها شعارات ترفض “سياسة تجويع الشعب”، مؤكدين أن موجات رفع الأسعار المتتالية، وتحديداً في قطاع المحروقات، تجاوزت الخطوط الحمراء وقدرتهم على التحمّل.
الشعارات التي يرفعها الأهالي، والتي وتنوّعت بين “لا لرفع الأسعار”، “لا لتجويع الشعب”، و”لا لقطع الكهرباء”، ما هي إلا رسالة مباشرة للجهات المعنية بأن حالة الاحتقان الشعبي قد تتجه نحو تصعيد أكبر ما لم يتم التراجع عن القرارات الأخيرة المتعلقة برفع أسعار الأمبيرات، وتوفير كميات أكبر من المحروقات بشكل عاجل.

ظلام دامس بأسعار خيالية
لا تقتصر الأزمة على ارتفاع الأسعار فحسب، بل تمتدّ لتشمل حرب الخدمات التي باتت تدار عبر قطاع المولّدات الكهربائية (الأمبيرات). وتشير المعطيات الميدانية إلى إجراءات تعسفية طالت ساعات التغذية الكهربائية، حيث تم إيقاف المولّدات التي تعمل بنظام الـ 16 ساعة عن العمل كلياً، بينما جرى تقليص ساعات عمل المولّدات التي كانت تعمل بنظام الـ 24 ساعة إلى 10 ساعات فقط.
ولم يتوقف الأمر عند حدود تقليص ساعات التشغيل، بل ترافق ذلك مع قفزة جنونية في الأسعار؛ إذ تم رفع سعر الأمبير الواحد من 14 دولاراً إلى 24 دولاراً، في حين بقيت المولّدات المخصصة لنظام الـ 8 ساعات على حالها، وهو ما يعكس عشوائية في إدارة الأزمة.
أزمة الكهرباء أصبحت كابوساً يومياً يمسّ حياة الناس وأرزاقهم. السيدة (م. أ)، إحدى سكان القامشلي، تصف الوضع بمرارة: “منذ أكثر من عامين لم نعرف شيئاً اسمه كهرباء الدولة. حياتنا كلها باتت معلقة بخيط اشتراك الأمبيرات، واليوم حتى هذا الخيط باتوا يهددوننا بقطعه. زوجي يعاني من مرض في القلب، ولا يمكنه تحمّل درجات الحرارة التي تتجاوز الـ 40 درجة مئوية في منازلنا؛ انقطاع المولّدات يعني فعلياً تعريض حياته للخطر في ظلّ هذا القيظ”.
في وسط المدينة، يقف (أبو محمد)، يراقب بأسى بضائع دكانه التي بدأت تتلف تحت شمس الصيف. يقول لشبكة الصحافة الحرة: “نحن ندفع مبالغ طائلة للاشتراك في الأمبيرات، ومع ذلك، فإن تقليص ساعات التشغيل كان بمثابة ضربة قاصمة لأرزاقنا. البرادات في متجري لا تعمل بالقدر الكافي، ما تسبّب بتلف كميات كبيرة من منتجات الألبان والحليب. هذه خسائر مادية مباشرة يتحمّلها التاجر الصغير، الذي يجد نفسه عاجزاً عن دفع فواتير الاشتراك الجنونية، وعن تعويض البضائع التالفة في آن واحد”.

أزمة محروقات
مدينة الحسكة تعاني بدورها من شلل شبه تام في قطاع الكهرباء، حيث توقّفت معظم المولّدات بشكل كامل نتيجة الانقطاع الحاد في مادة المازوت. هذا الانقطاع أدخل المدينة في عزلة خدمية خانقة، حيث تحوّلت الأحياء إلى ثكنات من الظلام، وسط عجز تام عن تأمين الحدّ الأدنى من الاحتياجات اليومية المرتبطة بالطاقة.
هذا وتشهد القامشلي والحسكة أزمة وقود هي الأشدّ منذ فترة طويلة، إذ تكاد الأسواق تخلو من المحروقات، وتسيطر حالة من الترقّب والقلق في أوساط السائقين وأصحاب المهن، مع مخاوف من توقّف قطاع النقل وتأثّر أسعار المواد الغذائية والأساسية بشكل أكبر إذا ما استمرّت هذه “الندرة المصطنعة”، على حد تعبير أحد سيارات الأجرة، والذي طلب عدم ذكر اسمه.
