إبراهيم زرقه
أذكر نفسي طفلاً في باحة المدرسة، أقف مع الطلاب في خطوط مستقيمة تحت الشمس. كان المعلّم يصرخ من بعيد: “استاعد… استارح..” فترتفع الأيدي إلى الجباه في اللحظة نفسها، كأنّ الجسد يحفظ الحركة قبل أن يفهمها. كان العلم يُرفع ببطء، يتدلّى طرفه الممزّق مع الهواء، فيما الأعين معلّقة بين الباب والسارية، تنتظر نهاية النشيد أكثر مما تنتظر معناه.
سرعان ما لم يعد طابور الصباح حدثاً بحدّ ذاته، بل طقساً يتكرّر دون وعي. لم يعد السؤال عن معنى ما يحدث، بل عن كيفيّة حدوثه. ومع تكرار الأيّام، بدأت التفاصيل الصغيرة تفقد وزنها، بينما بقي العلم مرفرفاً في الأعلى، وما تحته لم يكن مرفوع الرأس.
في عام 2011، مع اشتعال الشارع بين معارضة وموالاة، ظهر العلم نفسه بطرق مختلفة؛ القماش ذاته، لكن المعنى لم يعد واحداً؛ ما كنّا نراه في المدرسة صار على الجدران والسيّارات والملابس، كأنّه لم يعد شيئاً واحداً، ثمّ ظهرت صورة بشار الأسد بين النجمتين الخضراوتين. من بعيد كانت صغيرة، لكن عن قرب شعرت بالاختناق. هذا الشكل في منتصف العلم يشبه أنشوطة.
بعدها رأيت العلم فوق دبابة تقصف قرية، وفوق سيارة مداهمة تعتقل شبّاناً. لم يحتج الأمر شرحاً طويلاً، بل نظرة واحدة: كيف لشيء كان بسيطاً في طابور المدرسة أن يحمل كلّ هذه المعاني المتضاربة؟
لديّ مرآة صغيرة مكسورة، كنت أقف أمامها فأرى وجهي مقسوماً إلى شقّين. في الشقّ الأيمن، طفل في طابور المدرسة، والعلم الأحمر يرفرف فوقه. وفي الشقّ الآخر، صورة لا تستقرّ: قماش، أو وجه، أو شيء لا يكتمل، ثم تداخل لون آخر: الأخضر. علم جديد في الشارع، ثمّ بدأ يظهر أكثر على الشاشات من الأرض نفسها. عدتُ إلى المرآة المكسورة مرّة أخرى. في الشقّ الأيمن ما زال الطفل يحيي العلم، وفي الآخر لم يعد هناك شكل واحد يمكن الإمساك به.
لم يعد العلم يظهر كرمز جامع، بل صار طبقات متجاورة لا تنتمي إلى بعضها، فكان القماش يتغيّر كلّ بضعة كيلومترات، وكأنّ الأرض نفسها فقدت قدرتها على تثبيت معنى واحد. أعلام لفصائل مختلفة، بعضها محليّ وبعضها عابر للحدود، وأعلام سوداء ظهرت كأنّها تمحو ما قبلها، ثم اختفت.
في الشمال الشرقي، ظهر علم أصفر، مختلف تماماً عن العلم الأحمر القديم، وعن الأخضر أيضاً، كأنه ينتمي إلى جغرافيا أخرى داخل المكان نفسه، وفي الخلفية، كانت أعلام دول مثل روسيا وتركيا حاضرة، كجزء من تفاصيل الحركة اليومية؛ على البوابات، وعلى الشاحنات، وفي مسارات المرور نفسها. لم يعد العلم يُقرأ كرمز للبلد، بل كإشارة إلى من يملك القدرة على الوجود في المكان: من يسيطر هنا، ومن يمرّ من هناك، ومن يحدّد شكل الواقع مؤقّتاً.
بدت المدن مقسومةً إلى مساحات تحمل رايات مختلفة، رغم أنّها تتقاسم الجغرافيا ذاتها، لتصبح البلاد أرخبيلاً من الرايات. لم يعد الأمر اختلافاً في الألوان، بل اختلافاً في القوانين والحدود غير المعلنة، كلّ راية تمثّل نظاماً صغيراً داخل الدولة، ومع الوقت، لا تتفتّت الجغرافيا وحدها، بل الفكرة التي كانت تجمع الناس تحت اسم واحد، ويصبح الوطن خريطة مؤقّتة، تتغيّر مع كلّ راية ترتفع.
هل الإساءة للعلم هي أن تطأه قدمك، أم أن تحمله وأنت تقتل باسمه وتسرق تحته؟ لم يكن السؤال نظريّاً؛ رأيت العلم الأحمر يُرفع فوق آليّات هدمت قرى، فرأيته يحوّل ما تحته إلى لونه، ورأيت العلم الأخضر لاحقاً يدخل هو الآخر في سياقات عنف وصراعات، وكأنّ القماش لم يكن سوى سطح، والمعنى يتحدّد بمن يرفعه.
في الشارع، قد تُتهم بإهانة العلم لمجرّد أنّك لم ترفعه كما يُطلب. وفي الوقت نفسه، يمكن أن يُستخدم غطاءً لأفعال لا تمتّ بصلة لما يُفترض أنّه يمثّله، فلم يعد “التدنيس” فعلاً واحداً. فالذي يرفع العلم ليقتل باسمه، أو ليغطي جريمة؛ هو من يدنّسه، مهما كان لونه.
توقّفت منذ زمن عن مراقبة الأعلام، وصرت أراقب الأيدي التي ترفعها. تذكّرت صديقاً أخرج العلم الأخضر من مخبأ سريّ، كان يطويه بعناية كأنّه يخشى أن يُمسّ القماش نفسه. رأيت آخرين كانوا يمنعون أيّ علم لا يشبه صورتهم، صاروا لاحقاً في مقدمة من يرفعون العلم الأخضر نفسه. في أحد الأيّام، وقفت سيارة بجانبي، على زجاجها الخلفي علم أخضر. عرفتُ السائق؛ كان قبل سنوات يحمل علماً أحمر في مسيرات النظام. بدا لي في تلك اللحظة أنّ العلم لا يُستبدل، بل يُعاد ارتداؤه. صار العلم نفسه يظهر على سيّارات الشرطة. الخوف لم يكن من اللون، بل من اليد.
ربما لم يفقد العلم معناه حين رُفع فوق الدبّابات، ولا حين انقسم إلى ألوان متقابلة، ربّما بدأ بفقدانه قبل ذلك بكثير، في طابور صباحي تحت شمس ثابتة، حين كانت الأيدي ترتفع في اللحظة نفسها دون أن يُسأل لماذا، فقد كان القماش يتبدّل، لكن الطقس بقي كما هو، ولم نكن نعرف أن هذا التكرار سيصبح الشكل الوحيد المتبقّي للمعنى.
في اليوم الذي سقط فيه النظام، تغيّر العلم في أقلّ من ست ساعات. ليس المهم من أنزل العلم القديم، المهم: من رفع الجديد؟ فكان الخيّاطون يقطعون ويخيطون بسرعة، كأنّ الشكل يجب أن يسبق المعنى، وكأنّ ما يُصنع في لحظات يمكن أن يبدو مستقرّاً لسنوات؛ بين ما يُرفع وما يمكن أن يُعاش، فارق لا يزول.
العلم الأحمر لم يكن ملكاً لبشار، كان لسوريا، لكنّه ارتبط بسياقات عنف أعادت تشكيل رمزيّته لدى كثيرين. والعلم الأخضر، الذي رُفع كحلم بالحريّة، صار بالنسبة لآخرين مرتبطاً بتجارب عنف مختلفة، فصار -بالنسبة لهم- نسخة أخرى من ذاك.
أنا لا أحتقر علماً ولا أقدّس آخر، لكنّ العلم الذي لا يجتمع عليه كلّ سكّان البلد ليس علماً جامعاً. لا الأحمر جمع السوريين، ولا الأخضر جمع غير الذين آمنوا به، ومع ذلك، مازلت أحلم بيوم يكون فيه العلم راية جامعة كلّ من تحتها مرفوعو الرأس، ليس غطاءً لقتل، ولا ساحة صراع، وأفكّر في أطفالٍ يقفون في ساحات مدارسهم مستقبلاً يحيّون علماً يجمعهم ويشعرون تجاهه بالفخر والانتماء. ويبقى السؤال ليس عن العلم وحده؛ بل عن ذاكرة تتعلّم كيف تتعامل مع تغيّره، وعن ألم يجد ما يجمعه.
