عبدالله الشعار
لا استقرار إلا بعدالة حقيقية. هذه ليست عبارة إنشائية، بل خلاصة تجربة طويلة دفعنا نحن -السوريين والسوريات- ثمنها من حياتنا وأعمارنا واستقرارنا. غياب الحياة السياسية الحقيقية، وغياب حقّ العمل التنظيمي، وعدم السير في اتجاهات العدالة الانتقالية المختلفة، وغياب الشفافية في التوجّهات العامة، كلها عوامل قد تكون من أهمّ الأسباب التي تسمح بتطورات غير متوقّعة قد تؤدّي إلى تصعيد مختلف الأشكال. عندما تغيب السياسة المُنظَّمة، يتكلّم الشارع بشكل غير منضبط، وعندما تغيب العدالة، يصبح أيّ توتّر مُرشَّحاً للتحوّل إلى مشكلة.
ما شهدناه من خلال البثّ المباشر الذي نقلته منصّات وحسابات مختلفة على وسائل التواصل الاجتماعي، حول الاعتصام الذي جرى اليوم في ذكرى 17 نيسان في ساحة يوسف العظمة بدمشق، يعكس هذا التوتر بكلّ تعقيداته؛ هتافات متعّددة و متعارضة، لكنّها تعبّر عن واقع حقيقي قائم. سمعنا شعارات مثل: “الله سورية حرية وبس، وواحد واحد الشعب السوري واحد، وإسرائيل تطلع برّا، سورية حرّة حرّة”، وشعارات أخرى ذات طابع سياسي أو معيشي، مثل الاعتراض على ارتفاع الأسعار: “الشعب السوري جوعان ليش تغلّي الفاتورة”، وكل العالم مقهورة ليش عم ترفع فاتورة، وسوريا مانا للبيع”. كما ظهرت شعارات أخرى من مجموعات مضادّة ومعارضة للاعتصام مثل: “سيدنا للأبد قائدنا محمد، وتكبير الله أكبر، والفلول برّا برّا”.
في مشهد واضح وقف الأمن العام فاصلاً بين المعتصمين وبين المعارضين للاعتصام، في محاولة لمنع الاحتكاك المباشر، ومن خلال أكثر من بثّ مباشر كان واضحاً أنّ قوى حفظ النظام تدخّلت بسرعة، حيث شكّلت خلال دقائق من بدء التجمّع في ساحة يوسف العظمة حاجزاً فاصلاً بين الرافعين/ات للافتات – أي المعتصمين/ات، وبين المجموعات التي عارضت الاعتصام وهاجمته بالشعارات التي ذُكرت سابقاً، بالإضافة إلى الهجوم بالضرب المباشر على أحد المعتصمين، ليعكس هذا المشهد محاولة منع تطوّر التوتّر إلى احتكاك مباشر أكبر في الشارع.
في المقابل عبّر أحد المشاركين المعارضين للاعتصام عن رأي يعكس مخاوف لدى جزء من الشارع، إذ قال إن الوقفة وقفة حقّ لكن التوقيت غير مناسب، لأن البارحة ذكرى مجزرة التضامن، وإنّ الناس لديها مطالب محقّة، لكن ليس بهذه الطريقة وليس في هذا الوقت، مع تخوّف من أن يتمّ استغلال المطالب من قبل من يعتبرهم من بقايا النظام السابق.
كما هتف بعض المعتصمين بشعارات مثل: الله محيي الأمن العام، والله سورية حرية وبس، ويلعن روح الشبيحة. لتكون هذه الشعارات وعلى اختلافها انعكاساً لمحاولة إيضاح من المعتصمين/ات لشكل التعبير الحاصل – أي الاعتصام، وبأنه تعبير عن مطالب اقتصادية وسياسية ومعيشية، وليست تابعة للنظام السابق.
المرحلة الحالية دقيقة لأنّها مرحلة إعادة تشكل في الوعي العام وفي طريقة حضور السياسة داخل المجتمع. ما يجري اليوم يعكس محاولة البحث عن موقع جديد للمجتمع في الشأن العام بعد سنوات طويلة من الإقصاء والتغييب. نحن أمام لحظة نستعيد فيها السياسة كمساحة عامة، ونستعيد معها حقّ التعبير عن الرأي والموقف، وحقّ المشاركة في النقاش حول شكل البلد ومستقبله. هذا الحضور المتجدّد للشأن العام يدلّ على رغبة واضحة في أن يكون لنا دور في تحديد أولويات حياتنا، وأن لا تبقى السياسة حكراً على السلطة أو على قوى الأمر الواقع. مثل هذه اللحظات تحتاج إلى قدر كبير من المسؤولية، لأن طريقة التعامل معها ترسم شكل المرحلة القادمة، وتؤثّر على إمكانية بناء حياة سياسية يشعر فيها الناس أن صوتهم له قيمة وتأثير.
في أحد المشاهد التي نقلها البثّ المباشر وزّع أحد عناصر الأمن العام وروداً على المعتصمين، وفي مشهد آخر ظهر عناصر من الأمن العام وهم يحمون شخصاً تعرّض للضرب من قبل معارضين للاعتصام. يمكن أن يكون كلّ ما رأيناه استخداماً سياسياً وإعلامياً، كما رأينا الكثير منه في مراحل سابقة، وهذا سلوك تقوم به التيارات المتصارعة سياسياً. لكن، وبالنسبة لي، كابن لثورة الكرامة والحرية، وكشخص اعتُقل في سجون بشار الأسد وهُجّر من بلده تهجيراً قسرياً، أقف طبعاً مع حقّ الناس في التعبير عن مطالبهم ومع المعتصمين، ولكن ليس مع من صمت عن القتل منهم إن وُجد.
هناك فرصة كبيرة أمام الحكومة الانتقالية في سوريا، وأهمّ هذه الفرص هو إتاحة مساحة حقيقية للعمل السياسي، ليتمكّن الحراك السياسي الداخلي من التعبير عن نفسه بنفسه وبصورته الطبيعية، وليكون هناك معارضة حقيقية مكوّنة من حركات وتيّارات وأحزاب وتجمّعات لها حقّ العمل والتعبير والتجمّع والتمثيل. وبهذه الحالة تبعد احتمالات أي انقلابات من قبل جماعات النظام السابق وممثليه، ويكون هناك حقّ لكل المواطنين والمواطنات بالعمل السياسي العلني والمنظَّم، والمشاركة في رسم مستقبل البلد والتأثير في قراراته.
التغيّر في سوريا، وهنا أقصد التغيّر السياسي والاجتماعي، لن ينتهي بانتهاء وجود سلطة النظام البائد. لحظة سقوط النظام هي بداية التغيير الحقيقي، وليست نهايته. نحن أمام مسار طويل يحتاج إلى عمل متواصل ومتعدّد الأشكال، وعلى مختلف المستويات وفي مختلف المجالات، من أجل بناء بلد يحترم الجميع ويحمي الجميع ويقبل الجميع دون أي استثناء. بلد يقوم على الكرامة الإنسانية وعلى حقّ الإنسان في الحرية، وهي المبادئ التي انطلقت من أجلها ثورة الكرامة والحرية.
أما السلوك الذي ظهر من بعض المجموعات، سواء في الساحات أو على وسائل التواصل الاجتماعي، والذي يسعى إلى تخوين الآخرين أو منعهم من التعبير أو تخويفهم، فهو سلوك يعيد إلى الأذهان ممارسات عرفناها جيداً، وقد عاد إلى التداول توصيف “الشبيحة”، وهي كلمة مرتبطة في الذاكرة الجمعية بسلوك يقوم على الترهيب وفرض الرأي بالقوة واعتبار الاختلاف تهديداً يجب إسكاتُه لا مناقشته، هذا ما يخلق الخوف في نفوس كثير من المواطنين والمواطنات من التعبير عن آرائهم. مثل هذه الممارسات لا تحمي الدولة ولا المجتمع، بل قد تدفع البلد نحو مزيد من الانقسام والتوتر، حتى عندما يظن أصحابها أنهم يدافعون عن الاستقرار.
خطورة هذا السلوك لا تكمن فقط في مضمونه، بل في أثره على المجال العام، إذ يضيّق مساحة التعبير ويعيد إنتاج مناخ الخوف، وهو المناخ الذي حاولنا نحن السوريون كسره عبر سنوات طويلة من النضال. استخدام التخوين أو التخويف أو منع الآخرين من التعبير لا يؤدي إلى حماية الاستقرار، بل يضعف الثقة ويغلق أبواب السياسة، ويدفع النقاش العام نحو التوتر بدل أن يفتحه نحو التفاهم والبناء.
يبقى ملف العدالة الانتقالية واحداً من أهم الملفات التي يجب فتحها والعمل عليها بشكل جدي ومكثّف في سوريا. يشمل هذا الملف خطوات أساسية، منها إصلاح مؤسسات الدولة، ومحاسبة المتورطين في القتل والعنف والانتهاكات والمجازر، وتوثيق الانتهاكات، وتعويض ذوي وأهالي المعتقلين والمعتقلات، والعمل على ضمان عدم تكرار هذه الجرائم. العدالة الانتقالية ليست مطلباً انتقامياً، بل هي مسار ضروري من أجل بناء الثقة، ووضع أساس واضح لمستقبل يقوم على الحقوق والمساءلة وعدم الإفلات من العقاب.
لقد أثبتت ثورة الكرامة والحرية أن حماية الكرامة الإنسانية وحق الإنسان في الحرية هما الأساس لأي عمل سياسي في سوريا، وهما أيضاً الأساس لمستقبل السوريين والسوريات. هذه المبادئ ستبقى حاضرة في الشارع السوري، وستبقى جزءاً من النقاش العام حول شكل الدولة التي نريدها، دولة تتسع للجميع، وتتيح للجميع المشاركة في بنائها، وتفتح المجال أمام السوريين والسوريات للنضال من أجل مستقبل يليق بالجميع.
لا استقرار دون عدالة، ولا عدالة دون سياسة، ولا سياسة دون حرية. سوريا للجميع.
