FPN – سما المحمد
خلال الأيام الماضية تصدّرت قضية الشابة بتول سليمان علوش وسائل الإعلام ووسائل التواصل الإجتماعي بعد تحوّلها إلى قضية رأي عام إثر مطالبات متكرّرة من عائلتها لإعادتها.
آخر المستجدات في القضية كانت بظهور علوش في بثّ مباشر من مدينة جبلة في ريف اللاذقية، يوم الأحد الفائت، لتنفي مجدّداً تعرّضها للاختطاف بحضور مجموعة من الوجهاء والإعلاميين.
البثّ الذي بدأ حوالي الساعة الثانية والنصف في وقت متأخر من ليل الأحد، في مكتب تابع لإدارة منطقة جبلة، تسبّب بردود أفعال وإدانات من ناشطين وحقوقين، إذ اعتبره البعض تقييداً لحرية بتول وانتهاكاً لخصوصيتها، خاصة أنّ البث كان بمثابة تحقيق، حيث قام خلاله عدد من الحاضرين بتوجيه الأسئلة لعلوش حول اختفائها ومكان وجودها، فيما كانت إجاباتها مقتضبة ومحدّدة، إذ نفت تعرّضها للاختطاف مبيّنة أنها موجودة في منزل صديقتها، كما أوضحت أن علاقتها بعائلتها موضوع شخصي وأن مغادرتها المنزل كانت لأسباب دينية.
بين التأكيد والنفي
قضية علوش بدأت بالانتشار بعد مناشدات من عائلتها لإطلاق سراحها، والتأكيد بشكل مستمرّ على أنها مختطفة، ما يتناقض مع رواية السلطة التي تنفي وجود حالات خطف في الساحل السوري، وتؤكّد أن علوش غادرت منزل عائلتها بإرادتها الكاملة.
عائلة علوش كانت قد أعلنت عن انقطاع الاتصال بها يوم 29 نيسان الفائت، بعدما تواصلت مع والدتها لتخبرها بأنها في طريقها إلى المنزل، لكنها اختفت بعد ذلك، وظهرت بتول لاحقاً في فيديو مصوّر مرتدية الحجاب وصرّحت بأنها بخير، موضّحة أنّها غادرت بعد قرار شخصي بتغيير معتقدها الديني.
بعد ذلك ظهرت عائلة علوش لتنفي روايتها، حيث أكدّ والدها أنّ ابنته مختطفة وتم إجبارها على تسجيل الفيديو، واستمرّت العائلة بالمطالبة بالكشف عن مكان ابنتهم وإطلاق سراحها. القضية تطوّرت بعد ذلك إذ التقى والد بتول بالأمن التابع للحكومة الانتقالية وظهر مرّة أخرى ليقول إنها ليست مخطوفة، وكان قد تلقّى وعوداً بعودة ابنته يوم الأحد، إلا أن ذلك لم يحدث وظهر مجدداً ليوضح أنّ ما صرّح به في وقت سابق كان تحت ضغط أمني بعد وعود بإعادتها ومؤكّداً اختطاف ابنته.
قضية بتول أعادت قضية المختطفات في الساحل السوري إلى الواجهة مجدداً، وسط مطالبات واسعة بحلّها، خاصة مع إصرار العائلة على نشر قضية ابنتهم والحديث عن اختطافها، في ذات الوقت بدأ الحديث عن حالات خطف أخرى لم يُعلن عنها سابقاً بسبب الخوف مما يمكن أن يترتّب على ذلك.
مطالب حقوقية
وسائل التواصل الاجتماعي شهدت حالة عالية من الاستقطاب، حيث قام عدد من النشطاء المدنيين والحقوقيين باتهام السلطة بالتورّط في قضية علوش والتستر عليها، والمطالبة بالإفراج عنها، فيما ذهب آخرون إلى التأكيد على رواية السلطة معتبرين أن من حقّ علوش اختيار معتقدها الديني دون أي ضغط من مجتمعها وعائلتها مع النفي التام لتهم الاختطاف.
في السياق ذاته طالبت مجموعة من المنظمات السلطات بإصدار توضيحات حول القضية، حيث قال اللوبي النسوي السوري إنه يتابع قضية علوش وتفاصيل اختفائها ومطالبات عائلتها بإعادتها إليهم، كما أصدرت الآلية السورية للتحقيق بياناً حول ما يسمى “بيت الأخوات” قالت فيه إنها تابعت بقلق ما يتم تداوله حول تكرار حوادث الخطف والاختفاء التي تستهدف الفتيات من الطائفة العلوية، وأن معظم هذه الحالات تنتهي بإعلان إسلام الفتاة وانقطاعها عن عائلتها، كما أشار البيان إلى ما يعرف ببيت الأخوات والذي قيل إنه مخصص لاستقبال الفتيات من خلفيات دينية غير مسلمة، وأشار إلى وجود معلومات تربطه بمؤسسة (الذهبي) ذات النشاط الدعوي الإسلامي.
كما طالبت الآلية السورية للتحقيق وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ووزارة الداخلية بتوضيح رسمي يتضمن بيان الطبيعة القانونية لبيت الأخوات، وإذا ما كان المكان حاصلاً على تراخيص رسمية وتحت أي صفة قانونية يعمل، والكشف عن الجهة الإدارية أو الدينية أو المدنية التي يتبع لها، ودعت إلى فتح تحقيق مستقل وشفاف في طبيعة عمل هذا المكان وضمان حماية الحقوق الأساسية للفتيات بداخله، وفي مقدمتها حرية الإرادة والتواصل والحماية.
استهداف ممنهج
قضية المخطوفات ليست جديدة، إذ بدأت عمليات الخطف في الساحل السوري بعد فترة قصيرة من سقوط نظام الأسد، وتركّزت معظم الحالات في اللاذقية وطرطوس وحمص، فيما شهدت بعض المناطق الأخرى حالات خطف بتواتر أقل. في العام الفائت وثّقت حملة “أوقفوا خطف النساء السورريات” ما يقارب 130 حالة بين شهر شباط وكانون الأول 2025، من بينها 115 حالة من النساء العلويات، وبيّنت التقارير أن الحالات الموثّقة تكشف عن استهداف ممنهج بطابع طائفي.
كما أشارت الحملة إلى أن الدوافع وراء الخطف متنوعة، منها طلب الفدية والزواج القسري والانتقام الطائفي أو حتى الاتجار بالبشر، ووثّقت تعرّض النساء لاعتداءات جسدية ونفسية وعنف جنسي وحقن بمواد مخدرة.
كذلك أصدرت منظمة العفو الدولية نهاية شهر تموز من العام الفائت بياناً طالبت فيه الحكومة الانتقالية بفتح تحقيق في ملف المختطفات ووقف أعمال العنف القائم على النوع الاجتماعي، وقالت المنظمة إنها تلقت معلومات موثوقة عن عمليات خطف طالت 36 امرأة وفتاة من النساء العلويات تتراوح أعمارهن بين 3 إلى 45 عاماً.
كما كشف تحقيق نشرته “بي بي سي” في شهر شباط من هذا العام عن اعتداءات تتعرّض لها النساء العلويات من خطف واغتصاب وسط إنكار حكومي، ووثّق التقرير مجموعة من الشهادات لنساء اختُطفن من منازلهن أو من الأماكن العامة، وتعرّضهن للضرب والإهانات اللفظية والاغتصاب والبيع، وأشار التقرير إلى تواصل فريق “بي بي سي” مع وزارة الداخلية في الحكومة الانتقالية إلا أنها لم تعلّق على الموضوع، فيما صرّح مصدر أمني أن هناك تصرفات غير مضبوطة لبعض العناصر بهدف الابتزاز المالي أو لأهداف شخصية.
