فرح ناصيف – رشا القس
كانت سارة تجلس بهدوء، تمسك هاتفها وتفكّر في قائمة طلبات أطفالها التي لا تنتهي. بعد لحظة تردّد، كتبت سؤالاً بسيطاً في مجموعة “واتساب” نسائية: “يا بنات، أين أجد أفضل العروض لملابس الأطفال؟” خلال ثوانٍ فقط، امتلأ هاتفها بالردود، لم تكن مجرّد أسماء محلات، بل نصائح صادقة وتجارب شخصية: “تجنّبي المكان الفلاني فأسعاره ارتفعت، هذا الموقع لديه تخفيضات، استخدمي هذا الكود، ذلك المكان فيه قسم جميل للأطفال..”. شعرت سارة وكأنّها وسط دائرة من الأخوات كلّ واحدة تضع خبرتها في خدمة الأخرى، كأنهنّ فريق صغير يتشارك عبء التفاصيل اليومية.
بدافع الفضول، تساءلت سارة: هل سيحدث الأمر نفسه لو سأل زوجي السؤال ذاته؟ وعندما طرح السؤال في مجموعة للرجال، جاء الردود مختلفة تماماً؛ ساد صمت قصير ثم ظهرت إجابات مقتضبة: “لا أعرف”، “سأسأل زوجتي”، “والدتي عادة هي من تشتري لإخوتي الأصغر”… ابتسمت سارة، لكنّها أدركت فكرة أعمق: بالنسبة للنساء الإنترنت ليس فقط وسيلة للحصول على معلومة، بل مساحة حقيقية للدعم والمشاركة، حيث يتحوّل السؤال البسيط إلى تجربة جماعية تمنح شعوراً بالدفء والتعاون.
في عالم يتسارع فيه التواصل الرقمي، لم تعد مجموعات النساء على وسائل التواصل الاجتماعي مجرّد فضاءات لتبادل المعلومات بل تحوّلت إلى مجتمعات موازية تؤدّي أدواراً حيوية، خاصة في سياقات معقّدة، مثل النزوح والهجرة والأوضاع الاقتصادية.
مساحة آمنة
بين سوريا وألمانيا، تتقاطع تجارب النساء في الحاجة إلى مساحة آمنة تُسمع فيها أصواتهن، لكن مع اختلاف واضح في طبيعة الاعتماد على هذه المجموعات. في سوريا، ورغم الظروف الصعبة، لا تزال العلاقات الاجتماعية المباشرة تمثّل المصدر الأول للسؤال والدعم، حيث تعتمد النساء على الجارات والعائلة والمعارف بوصفها شبكات أقرب وأكثر موثوقية، لذا لا تحلّ المجموعات الرقمية محلّ هذه العلاقات، بل تأتي لتكملها. في مناطق، مثل الحسكة، تكتسب هذه المجموعات أهمية إضافية، إذ تتحوّل إلى ما يشبه “بوصلة يومية” تساعد النساء في تدبير شؤون حياتهن،
بالنسبة لنساء مثل “أم ياسر” -وهي من دير الزور انتقلت للعيش في الحسكة قبل عدة سنوات- لا تقتصر أهمية هذه المساحة على تبادل المعلومات، بل تمتدّ لتشمل الإحساس بالأمان والانتماء في بيئة غير مستقرة، حيث تتحوّل الأسئلة اليومية عن السكن أو مواعيد المدارس أو احتياجات الأطفال إلى محاولات للحفاظ على الاستقرار وسط واقع متقلّب، ومع ذلك، تبقى هذه المجموعات برأيها وسيلة مُكمِّلة لا بديلاً عن العلاقات الواقعية وسؤال الأهل.
في المقابل، يتغيّر هذا الدور بشكل واضح في ألمانيا؛ فعلى الرغم من توفّر الخدمات وسهولة الوصول إلى الإنترنت، تواجه النساء المهاجرات تحديّات يومية تبدأ بحاجز اللغة ولا تنتهي عند تعقيدات النظام البيروقراطي. هنا، تصبح المجموعات الرقمية وسيلة أساسية للسؤال، حيث تمكنّهن من طرح أسئلة دقيقة مثل: “من تعرف طبيبة تتحدث العربية؟” أو “كيف أقدّم على هذا النوع من الإقامة؟”
ترى هبة، وهي طبيبة أطفال ومؤسسة إحدى هذه المجموعات في برلين، أن هذه المبادرات تمثّل “حلولاً محلية لمشاكل يومية”، ولا يقتصر دورها على نقل المعلومات، بل يمتدّ إلى تمكين النساء من فهم محيطهن والتفاعل معه بثقة أكبر، فهي تعوّض جزئياً ضعف العلاقات الاجتماعية المباشرة، وتتحوّل إلى شبكة دعم عملية وسريعة.
وعن سؤالنا حول سبب اختيارها أن تكون المجموعات نسائية فقط، علّقت هبة: “السبب الأساسي هو منح النساء الخصوصية والأمان، بحيث تستطيع المشاركة وطرح أي سؤال والتفاعل بحرية دون القلق من أنّ أحداً ما سيحصل على رقمها ويبدأ بمراسلتها على الخاص”، بمعنى آخر: تجنّب التحرّش الإلكتروني الذي عادة ما يحدث في المجموعات المختلطة.
من القصص الفردية إلى الوعي الجماعي
حتى في الولايات المتحدة الأمريكية، ومع فارق التوقيت وسهولة الوصول للمعلومات من مصادر مفتوحة، تعتمد كثير من النساء على مجموعات مثل مجموعة “أختية”. تقول مرسيل شحوارو، الناشطة والنسوية السورية ومؤسسة عدة مجموعات نسائية: “أتت الحاجة إلى مجموعة “أختية” بعد النظر إلى واقع كثير من السوريات المسحوق مهنياً، وكنت شخصياً في بداية الانتقال لأمريكا وأسئلة العمل والمهنة تؤرّقني، فأسسنا أختية سورية”. كان النقاش العام ممنوعاً وما زال، فالهدف هو تبادل الدعم المهني، من وظائف وإيميلات ولينكد إن وسير ذاتية، وكان من المهم أن تستطيع النساء التصرّف بعفوية دون تكلّف أو خجل، كأن تبوح إحداهن مثلاً بأنها لم ترسل بريداً الكترونياً واحداً في حياتها.
تضيف مرسيل أن المجموعة ساعدت النساء في التعرّف على بعضهن عبر المحافظات ودعم بعضهن في التقديم على العمل، كما لعبت “أختية” دوراً فعّالاً إبّان الزلزال بكلّ أشكال الدعم المادي والنفسي، وتتابع: “أرى أن هناك مساحة للعفوية، وإظهار نقاط الضعف والمشاركة الشخصية وليست فقط أداءً سياسياً بالصمود والصلابة”. وبالحديث عن التحديات، ترى مرسيل أن الاستقطاب الافتراضي اليوم هو العائق الأكبر للتواصل الذي خفتت وتيرته.
رغم اختلاف السياقات، تتشابه وظيفة هذه المجموعات في جوهرها، فهي ليست فقط منصّات تواصل، بل مساحات للتضامن تتيح للنساء مشاركة تجاربهن الشخصية، حتى تلك المرتبطة بالتمييز أو العنف، فتتحوّل القصص الفردية إلى وعي جماعي وتُبنى تدريجياً شبكات من الثقة والدعم.
الرجال أقلّ حضوراً
في الوقت نفسه، تبدو مجموعات الرجال أقلّ حضوراً في هذا النوع من التفاعل، فبينما نجحت النساء في تحويل الإنترنت إلى مساحة حيّة للمساندة، ظلّت المجموعات الرجالية، في كثير من الأحيان، أكثر جفافاً وأقلّ انخراطاً في تفاصيل الحياة اليومية.
ذات مرة، وعندما كنت برفقة صديق يعاني من آلام الظهر، سألني إن كنت أعرف طبيبة عظمية، فأخبرته أنني سوف أستفسر في المجموعة النسائية الخدمية المحلية. أثار تصرّفي فضوله، ما أثار فضولي بدوري: أليس هناك مجموعة خدمية للرجال؟ هل هناك مجموعات للرجال عموماً؟ بدأت أستفسر منه إن كان عضواً في أي مجموعة للرجال فقط، فكان جوابه “لا”، متبوعاً بسؤال: “لكن لماذا؟”.
سألت رجالاً آخرين حولي، فكان الجواب الجماعي: “لا!”. سامر مثلاً، الذي يعيش في فرنسا، يراقب هذا التباين في “مجموعة الأهالي” في مدرسة ابنه، حيث يلاحظ أنّ النساء هنّ الأكثر عدداً وتفاعلاً، ويتبادلن النصائح بديناميكية عالية.، وما يثير دهشته هو تلك اللحظات التي تكتب فيها إحدى الأمهات عن تأخّرها، لتتبرّع أخرى للاعتناء بطفلها حتى وصولها. يقول سامر: “لم يحدث أن كتب أيّ أبّ ذلك أبداً.. ألا يتأخر الآباء؟ طبعاً يتأخّرون، لكن أعتقد أن لديهم مشكلة في طلب الخدمة”، فبينما نجحت النساء في بناء شبكات أمان حقيقية لا يزال كثير من الرجال يفضّلون الصمت محكومين بإرث ثقافي يربط الاستقلال التامّ بعدم الحاجة إلى الآخرين.
رغم الانفتاح الرقمي، لا تزال كثير من النساء يفضّلن المجموعات المغلقة بوصفها مساحة أكثر خصوصية وأماناً. تصف رانيا، وهي موظفة حكومية وأم لأربعة أولاد، هذه المساحات بأنّها “ملجأ آمن” يتيح التعبير دون خوف، وترى أن وجود الرجال قد يحدّ من عفوية التفاعل، خاصّة أنهم يمتلكون بالفعل مساحات أوسع وحريّة أكبر لطرح تساؤلاتهم. وتضيف: لماذا يجب أن يكونوا هنا ونحن نعلم أنّهم لن يتفاعلوا؟ مع هذا كلّه لا تخلو هذه المساحات من التحديات، مثل الحسابات الوهمية لرجال يدخلون بأسماء نسائية، أو التوترات الداخلية بين النساء التي قد تتّسم أحياناً بالحدّة، والذكورية أحياناً.
مفارقة المجموعات الرجالية: بين المساندة والأيديولوجيا
مع تنوّع تجارب النساء في المجموعات الرقمية، يبقى السؤال: أليس هناك إذن أي مجموعات رجالية خدمية؟ الحقيقة إن الفضاء الافتراضي مليء بمجموعات رجالية بحتة، لكنّها تأخذ منحىً مغايراً تماماً؛ فهي ليست مكاناً لطلب العون الحياتي أو الدعم، بل إن كثيراً منها فضاءات لما يُعرف بـ”المانوسفير” (Manosphere)، وهي ائتلافات ومجموعات غير منظّمة تُعرف بخطاب العنصرية والكراهية ضدّ النساء، ومن رحمها خرج مجتمع “الحبّة الحمراء” (The Red Pill) -نسبة لفيلم The Matrix-حيث يعتقد أفراد هذه المجموعات أنهم اكتشفوا “الحقيقة” على غرار “نيو” عندما تناول الحبّة الحمراء وأدرك بعدها ما هو مخفي. هذه المجموعات مليئة برجال عازبين قسرياً (incels) يتبنّون خطاباً عنصريّاً وتفوقياً أبيض -في الغرب- وكارهاً للنساء.
حتى في سياقنا السوري، لم يخلُ الأمر من محاولات لإنشاء مجموعات للرجال فقط، ومع تأمّل هذه المفارقة بين مجموعات نسائية تقوم على المساندة وأخرى رجالية تميل نحو الأيديولوجيا، يبقى السؤال معلقاً بمرارة: هل يجتمع الرجال فيما بينهم فقط على الكراهية؟ أم أنّ كبرياء “الاستغناء” ومفاهيم الرجولة التقليدية هو ما يحرمهم من بناء مجتمعات تشبه في طبيعتها تلك التي شيّدتها النساء؟
تقول لبنى مرعي، التي كانت ضحية لإحدى تلك المجموعات، إنّ النساء دافعن عنها عندما نشرت إحدى صورها من حسابها على “إنستغرام” في مجموعة أطلق عليها مؤسّسوها اسم “كرخانة الثورة”. تحوّلت القصة إلى نقاش عامّ حول أمان الفضاء الافتراضي للنساء. تضيف لبنى أنها لم تتأثّر بما حصل: “كنت يومها أخيّم مع أصدقائي، نشرت المنشور وأغلقت هاتفي ساعدني أنني لست مقيمة في سوريا ولا في تركيا، وفوجئت بعدد النساء اللواتي تواصلن معي وشكرنني لأنني فضحت تلك الأفعال”.
ببساطة، أصبحت مجموعات واتساب وفيسبوك جزءاً مهمّاً من حياتنا اليومية وطريقة تواصلنا، ورغم أنّ النساء يرينها مفيدة، إلا أنّها لا تكفي لتغيير طريقة التفكير السائدة أو حماية الخصوصية بشكل كامل. صحيح أن المجموعات الخاصة تعطي شعوراً بالأمان، لكنها مجرّد حلّ مؤقّت، فالحريّة الحقيقية لا تعني البقاء في مجموعات مغلقة فقط، بل القدرة على التواجد في الفضاء العام بأمان ودون خوف. هذه المجموعات مهمّة، لكنّ الطريق لا يزال طويلاً لتحقيق حريّة كاملة للنساء على الواقع والواقع الافتراضي.
