FPN – نوار الخطيب
تشكّل المفاهيم المُسبقة والأحكام الخاطئة أحد المشاكل القديمة – الحديثة التي تعاني منها النساء في سوريا، بالإضافة إلى حالة التشتت التي تعيشها النساء في فهم الهوية الخاصة بهن، خصوصاً في ظلّ غياب قوانين تضمن للنساء حرية التفكير والقرار بعيداً عن الضغوطات الاجتماعيّة والدينيّة.
لا أكره الحجاب، لكن أتمنى لو مُنحت فرصةَ حُبّه؟
ترى نهى (اسم وهمي -36 عاماً – حماة) أنها لم تحصل على فرصة للتفكير إذا ما كان الحجاب أحد شعائر الدين الإسلاميّ أم لا، تقول لشبكة الصحافة الحرة: “خلال المرحلة الإعداديّة (الصف الثامن) أصبحت الفتيات في المدرسة يشرن إليّ بكلمة ( البنت اللي طالعة بالقرعة)، بالإضافة إلى أن الجيران والمحيط الاجتماعيّ مارسا حالة من الضغط على عائلتي وكانت النتيجة ارتدائي للحجاب.”
أما رهام (اسم وهمي- 34 عاماً) وهي نازحة من حلب إلى اللاذقية، تقول: “لا أفكّر بالحجاب كثيراً، لكن أشعر أن هناك خطأ ما، فأنا فتاة لا دينية وأرتدي الحجاب، وصراحةً يزعجني انتشاره الكبير بالفترة الأخيرة وأرى أنها حالة غير طبيعية.” وتشير رهام إلى أنها تعرضت في عام 2018 مع أختها في الطريق من اللاذقية إلى طرطوس لموقف لم تتمكن إلا من إرجاعه إلا لكونها محجبة، حيث قام الحاجز في مدخل طرطوس بإيقاف حافلة النقل ولم يطلب إلا هويتهما وطلب منهما النزول و”التفييش”، تقول: “لم نتعرض للإزعاج من أي أحد لكن هذا الموقف ترك أثراً في نفسي، وكأنه إذا كانت الفتاة محجبة فهي إرهابية.”
أما رشا (اسم وهمي- 30 سنة) تتحدث عن تجربتها مع خلع الحجاب وإعادته مرة جديدة: “أحسست بأن هويتي سُحبت مني بعد إعادة الحجاب، لا بل تم انتزاعها بالقوة، أعيش تضارباً كبيراً تجاه هويتي، اليوم لا أعرف من أنا، ولا أعرف الصح من الخطأ، أصبحت متأكدة أن الحجاب حالة اجتماعيّة بحتة، من المؤكد أن هناك جانب دينيّ لكن المجتمع وضغطه لا يسمحا لنا حتى بالوصول إليه والتعرّف عليه.”
طرق النساء مُعبّدة بالأحكام المُسبقة
تقول نهى: “شعرت بالتمييز في عملي كوني محجبة عندما قدّمت لأحد الشواغر على المستوى الوطنيّ، حيث أحسست بأن فرصتي أقل لأنني محجبة، كانت تسعى الإدارة لتقول إنها تقبل جميع الطوائف، بالإضافة لتخوّفهم من سخط الموظفين في حال تم قبول أنثى بحجاب في أحد المناصب الحساسة.” وتشير إلى أنه في الوقت ذاته كان الحجاب أحد أسباب قبولها في المنصب السابق لها، لكن على المستوى المحلّي وليس الوطني، ولكي تعكس الإدارة السابقة تعاملها مع كافة الطوائف، لا يكفي أن تكون الطوائف مختلفة ضمناً، يجب أن يكون الأمر مُعلناً، تكمل: “تعرضت لأكثر من عملية تقييم، وأكثر من مقابلة، لتتأكد إدارتي من أني شخص منفتح على العمل مع جميع الناس ولست حاقدة أو كارهة لبقيّة الطوائف، ومن جهة ثانية لتقيس الإدارة مدى تقبّل الفئة المُستهدفة للعمل مع فتاة محجبة.”
من جهتها تذكر رهام موقفاً عندما مارست مهنة التدريس، حيث تقول: “كانت إحدى الطالبات ترتدي لباساً “فاضحاً”، واعتبرتُ الأمر إهانةً للحصة المدرسيّة، لذلك سألتها: من أول الدوام هيك لابسة؟ وطلبت منها أن تقفل أزرار قميصها فقدّمت شكوى إلى المدير وقالت له: الآنسة طلبت مني أتحجب.”
كما أنها تعرّضت لمواقف أُخرى في وقت مبكر من حياتها الدراسيّة، إذ تقول: “مارس المجتمع ضغوطات كبيرة عليّ من أجل ارتداء الخمار عندما كنت في الثانويّة الشرعيّة وخلال دراستي في كلية الشريعة، كانت الكثير من الفتيات يتجنبن الحديث معي فقط لأني غير مخمّرة، بدأت الأمور بالكلام الجارح وتطوّرت إلى الضرب في فترة الدراسة الثانويّة.”
وعن الأحكام المُسبقة ونمطيّة الحياة تقول: “منذ الطفولة يرافقني إحساس بأن أحلامي وطموحاتي محدودة، لأني عندما أكبر سأكون محجبّة، بمعنى آخر لن أكون لاعبة جمباز أو كاراتيه، سقف المحجبة أن تكون مُدرّسة أو مهندسة أو طبيبة.”
راسلت سارة (اسم وهمي- 35 سنة – ريف حماة) بتاريخ 22 نيسان الجاري شبكة الصحافة الحرة لتضيف حادثة جديدة تعرّضت لها يرجع سببها لكونها من الطائفة العلوية، حيث قامت مجموعة من قوات الأمن العام على أوّل حاجز في مدخل مدينة حماة المعروف سابقاً بحاجز الجمارك بإنزال الشباب والسيدات غير المُحجبات، حيث كان يجلس فتاتان وشاب في المقعد الأول، وشابان وسارة في المقعد الأخير، وبحسب سارة فقد قاموا “بشدّ أذنيّ” الشباب، مع توجيه كلمات جارحة ومهينة. تقول سارة: “انهرت بالبكاء بعد أن قطعنا الحاجز، لأنهم وجّهوا لي كلام مثل: بيطلع عليكي 50 جلدة لأنك جالسة بجانب شاب، لكن من الطبيعيّ أن تجلسي بجانبه فأنت لا تعرفين الله لأنك علوية.”
كما ذكرت مواقف سابقة حصلت معها بدأت بعد سقوط نظام الأسد، كان أولها بعد عودة الأطفال من مخيّمات النزوح في الشمال إلى قراهم، حيث سألها طفل هل تصلّين بطريقة التصليب، تقول: “عندما أجبت لا؛ أنا أصلّي مثلكم، لم يصدقوني مع أنهم أطفال!”
تضيف سارة أن تعامل زملائها في العمل اختلف معها بعد سقوط النظام لكن بطريقة شخصيّة، تقول عن إمكانيّة تأثير هذا الشيء على عملها: “لا أعرف إذا كان سيؤثر هذا الأمر على تطوري العمليّ، لكنه لم يؤثر على وجودي في العمل، الجدير بالذكر أنه وخلال فترة مجازر الساحل توّقفت عن العمل نصف شهر، لم يكن مأجوراً لكن لم يضغط علّي أحد لأعود مرغمة أو أن أترك العمل.”
من جهتها ترى رشا أن المحيط الاجتماعيّ لم يمنع تطوّرها العمليّ بسبب الحجاب، لكن الأمر مختلف في حال قررت السفر، تقول: “يلاحقني هاجس بأني لن أتمكن من تحقيق حلم طفولتي في العمل كمضيفة طيران لأنني محجبة، مع العلم أن مجال عملي الحاليّ هو شركات الطيران، لكن أفكر أحياناً أن الحجاب ليس الشيء الوحيد الذي يمنعني من تحقيق هذا الحلم، لذلك لا أضع اللوم عليه في تطوري المهنيّ أو العمليّ، الأمر شخصيّ بحت بالنسبة لي.”
أما خلال فترة خلع الحجاب فقد تعرّضت رشا لضغوطات كبيرة، لا يمكن حصرها في موقف واحد لأن نزولها إلى الشارع والسير في منطقتها دون حجاب كان كفيلاً بتشكيل ضغط كبير عليها كأنها ارتكبت أسوأ المعاصي، تصف رشا بعض التفاصيل لشبكة الصحافة الحرة: “عندما كنت محجبة كنت أضع “المكياج” وأرتدي ملابس “سبور”، أما بدون حجاب كنت أترك شعري وشكلي على الطبيعة لكي لا يُقال تحاول لفت الانتباه، على الرغم من ذلك كانت النظرات تلاحقني، عدا عن الجانب الدينيّ والضغط بأن الله سيعاقبني، كما بدأ الناس بالتواصل معي وإرسال أدعية دينيّة لأعود إلى الحجاب ويدعونني إلى الهداية وعدم الابتعاد عن الله، كل هذا أثار تساؤلاً داخلي: ما الذي أفعله أنا؟ وهل يعلم هؤلاء الأشخاص باطن حياتي وماذا أفعل بها؟ أم لا يهم؟ هل المهم أن أرتدي الحجاب؟”
المجتمع يُجرم يومياً بحق النساء
ترى نهى أنها تعرضت لضغط اجتماعيّ كبير جداً من حيث فرض ارتداء الحجاب عليها في سنّ صغيرة، كما أن هذا القرار وبالرغم من أنه شخصيّ بحت إلا أن المجتمع هو من اتخذه عنها، إذ تقول: “لم أستطع عيش تجربة عدم التحجُّب، لكن في حال لم أتحجّب أعلم جيداً سيل حملات الهِداية التي سأتعرّض لها، بالإضافة إلى نظرة الشخص الناقص أو نظرة الشفقة، لأنني وبنظر المجتمع ذاهبة إلى جهنم، عدا عن عدم توفير أي مناسبة للضغط على عائلتي.”
بينما تتحدث رهام عن محاولتها لخلع الحجاب: “سبع سنوات مضت على آخر محاولة لي، صُدمت عندها من المجتمع المحيط بي، واكتشفت أنهم يرون أن “الفتاة العلوية” فقط هي من تخرج بدون حجاب وبما أنني “سنية” فيجب أن أرتدي الحجاب أو سيتم الحكم علّي بالتشبه بالعلويين أو أني معجبة بشاب علوي.” كما ترى رهام أن الأمر لا يقتصر على الجانب الدينيّ بل يصل إلى الطعن بالأخلاق من قبل العقول المريضة التي تعتقد أن خلع الحجاب هو الخطوة الأولى لخلع باقي الملابس، بالإضافة إلى الوصمة التي ستلحق بالأهل والعائلة، حيث تقول: “فكرّت بعائلتي كثيراً وعلى الأخص أخي لأن أقل كلمة ستقال بحقه من قبل الناس المحيطين بنا “له قرون” أو ليس رجلاً”.
كل ذلك أدى إلى إحباط محاولة رهام التي كانت الأخيرة، تقول في هذا السياق: “لم أفكر بالأمر بعد ذلك لأني استنتجت أن الحجاب قضيّة سطحية ويوجد أمور أعمق وأهم، فاللباس لا يعكس عقليّة الشخص، توجد نساء بدون حجاب وفكرها متخلّف وجاهل.”
أما سارة فتتحدث لشبكة الصحافة الحرة عن الضغط الاجتماعيّ الذي تعرّضت له بعد اتخاذها قرار الطلاق وهي أم لطفل، إذ تقول: “بالنسبة لكوني مطلقة فهو ضغط كبير جداً، حاربت وأحارب على مئات الجبهات بشكل يوميّ، لكن ما يعزيني أن أهلي داعمين جداً لي، وأقصد بأهلي الحلقة الضيقة جداً، على الجهة المقابلة أقرب الناس كانوا لا يترددون بالقول هذا الولد لوالده وليس لك، وأنت تهدرين شبابك عليه، ويضيفون عبارات وكلمات مثل (ما حدا رح يرضى يتزوجك ومعك ولد، وشو جابرك تشتغلي كل هاد كرمال ولد رح يروح لأبوه). المثير للسخريّة أن بعد تسجيلي في الماجستير تمت محاربتي بأني أتخلى عن ابني.”
من جهتها ترى رشا أن التعامل الاجتماعيّ مع تجربتها شكّل لها نوعاً من الصدمة، أشدها كان عندما اضطرت لأن تساوم الناس على محبتها وأن تقنعهم أنها لم تتغير وإنما خلعت الحجاب فقط، تقول: “وجدت نفسي في محيط يحاربني، صحيح أن هناك أشخاص لم يحاربوني، لكنهم لم يدعموني، لم أجد إلّا نفسي، رأيت أن الخسارات التي أتعرض لها أكبر من قيمة وضع الحجاب أو خلعه، وحقيقةً أنا لست أنا بأكثر من سياق في حياتي، لذلك اخترت الراحة وأرجعته.”
رسالة من النساء إلى النساء
توّجه سارة رسالتها إلى نساء سوريا: “من الضروريّ أن نحافظ على هويتنا وحقوقنا دون تقديم تنازلات، أنا فكرّت لوهلة إنني من الممكن أن أغيّر لون شعري للغامق لأخفف لفت النظر، لكنني لم أفكر في ارتداء الحجاب لأن حريتي الشخصيّة أهم من أي شيء وأدافع عنها دفاعاً مستميتاً، أرى أننا يجب أن نحافظ على ثقافة الاختلاف بيننا، ونحترم حرياتنا وتصرفاتنا الشخصيّة.”
توّجه رشا رسالتها للنساء اللواتي يتعرضن لضغوطات اجتماعيّة، إذ تقول: “هذا الموضوع ليس سهلاً ويسبب صراعاً داخليّاً وحالة من الأرق، وهو بالتأكيد مختلف بين الأشخاص، لكن؛ حتى لو كانت الدائرة الأولى متقبّلة لكثير من الأمور، سيبقى الضغط الاجتماعيّ موجوداً، لذلك أقول للنساء إن لم تكنّ تتمتعنّ بصلابة نفسيّة وقادرات على التجاهل بشكل كبير فلا تُقدِمن على أي تغيير من الممكن أن يعود عليهنّ بالأذى النفسيّ.” تختم رشا ضاحكةً وتقول: “يكفي أننا نستخدم أسماءً وهميّة لنعبّر عن أفكارنا وذواتنا، هذه الفكرة كافية وتختصر الكثير.”
