FPN
أصدر الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، مرسوماً رئاسياً يقضي بتعيين عبد الرحيم عطون رئيساً للمكتب الاستشاري للشؤون الدينية في رئاسة الجمهورية العربية السورية.
عطون شغل منصب الشرعي العام في “هيئة تحرير الشام” في إدلب، ويُعرف بحضوره المؤثر داخل البنية الدينية للفصيل، قبل أن يُعاد إدماجه ضمن الترتيبات السياسية والدينية الجديدة في البلاد.
يُعد عطون أحد أعضاء هيئة الإفتاء التي شُكّلت في آذار الماضي، والتي تضم المفتي العام أسامة الرفاعي وعدداً من العلماء، منهم عبد الفتاح البزم، راتب النابلسي، وهبي سليمان، مظهر الويس (وزير العدل)، إبراهيم الحسون، سهيل جنيد، محمد أبو الخير شكري (وزير الأوقاف)، أنس عيروط، إبراهيم شاشو، ونعيم العرقسوسي.
عطون: مسار ديني خارج المؤسسة الأكاديمية
وُلد عبد الرحيم عطون عام 1956 في بلدة طعوم بمحافظة إدلب، وسط عائلة كبيرة وذات مكانة اجتماعية مرموقة في المنطقة. نشأ في بيئة محافظة أسهمت في تشكيل وعيه الديني المبكر، الأمر الذي مهد له الطريق ليصبح لاحقاً شخصية مؤثرة في المشهد الإسلامي السوري. يُعد والده من أبرز مشايخ البلدة، كما كان شقيقه محمد عطون، المعروف بـ”أبي الخير”، من المؤسسين البارزين لحركة “أحرار الشام” قبل أن يُقتل عام 2014.
رغم غياب أي مصادر موثقة، ميدانية أو إعلامية، تؤكّد حصول عطون على تعليم أكاديمي نظامي، سواء في العلوم التطبيقية أو الإنسانية أو الشرعية، إلا أن مؤسسة “الذاكرة السورية” أشارت إلى تلقيه تكويناً شرعياً تقليدياً ضمن مسار المشيخة. فقد بدأ عطون مسيرته التعليمية في تركيا بدراسة العلوم الشرعية، ثم انتقل إلى الأردن حيث تتلمذ على يد الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، أحد أبرز أعلام التيار السلفي ومدرسة الحديث في العالم الإسلامي.
هذا النمط من التعليم غير النظامي، القائم على المشيخة والتلقي المباشر، لعب دوراً محورياً في صقل توجهه الفكري وإعداده كمنظّر ديني، بعيداً عن المسارات الجامعية والمؤسسات الأكاديمية الرسمية.
من القتال ضد النظام إلى التنظير الجهادي
عاد عبد الرحيم عطون إلى سوريا مع اندلاع الثورة السورية، للمشاركة في القتال ضد نظام بشار الأسد، متولّياً قيادة عدد من التشكيلات المسلحة، من بينها “حركة الفجر الإسلامية” التي اندمجت لاحقاً ضمن “جبهة أنصار الدين” في أيلول 2014، قبل أن يلتحق سريعاً بـ”جبهة النصرة”، الذراع السورية لتنظيم القاعدة.
عكست كتابات عطون المبكرة تأثره العميق بمزيج من الفكر السلفي والنزعة الجهادية العالمية، مستلهماً أطروحاته من تراث ابن تيمية وسيد قطب، ومنظّري التيار الجهادي المعاصر، كأبي محمد المقدسي، وأبي قتادة الفلسطيني، وسيد إمام الشريف. وقد تمحورت أفكاره حول مفاهيم “الحاكمية”، و”الولاء والبراء”، و”المفاصلة مع الجاهلية العالمية”، مؤكدًا على رفضه الكامل لما اعتبره أنظمة الطغيان والهيمنة الغربية.
في إحدى محاضراته التي ألقاها في حلب، جاهر عطون بتكفير الديمقراطية ومعتنقيها، مشدّداً على أن تطبيق الشريعة هو الغاية العليا للجهاد، وأن هذا التطبيق لا يمكن أن يتحقّق عبر الديمقراطية أو البرلمانات أو الدولة المدنية، ولا من خلال المفاوضات أو الحلول السلمية. كما وجّه انتقادات حادّة للعلمانية والوطنية، فضلاً عن الشيوعية والاشتراكية والرأسمالية، معتبراً إياها أدوات غربية تهدف إلى تفكيك الأمة وطمس هويتها.
على المستوى السياسي، شدّد عطون على ضرورة رفض الحدود التي رسمها الاستعمار بين الدول الإسلامية، مؤكداً أن هذا الرفض يجب أن يكون مطلقاً، سواء على الصعيد النظري أو العملي، دون اعتبار لما يُسمّى بـ”المصالح المرحلية”. واعتبر أن مفاهيم مثل “الوطن السوري” أو “التراب السوري” لا مكان لها في الخطاب الجهادي، فالجهاد، وفق رؤيته، لا يُخاض من منطلقات وطنية أو قطرية، بل هو جهاد أمة.
عطون في مواجهة “داعش”: صدام فكري وعقائدي
منذ اللحظة التي تمدّد فيها تنظيم “الدولة الإسلامية” إلى الأراضي السورية، اتخذ عبد الرحيم عطون موقفاً صدامياً تجاهه، انعكس في كتاباته وخطابه العلني. في كتابه “في ظلال دوحة الجهاد”، وثّق عطون بدايات الخلاف بين “جبهة النصرة” و”داعش”، كاشفاً تفاصيل لقاء جمعه بأبي بكر البغدادي خلال محاولة لاحتواء النزاع الذي استمر تسعة أشهر.
يروي عطون أنه سأل البغدادي أمام جمع من الحاضرين، بينهم الناطق باسم التنظيم آنذاك، أبو محمد العدناني:
“هل يُعدّ الارتباط المباشر بخراسان (قيادة القاعدة) دون الرجوع إليكم خروجاً على دولتكم؟”
فأجابه البغدادي بوضوح:
“وهل أحد يقول بذلك؟ خذوها مني، أنا رأس دولة العراق الإسلامية، ولا مانع عندي من ارتباط الجبهة بخراسان مباشرةً.”
لكن، وفقاً لعطون، لم يلتزم البغدادي بهذا الموقف، وبدأت قيادات التنظيم في سوريا بانتزاع البيعات لصالح “الدولة”، متجاهلة قيادة الجولاني، ما دفع هذا الأخير إلى مراسلة زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري بشكوى رسمية. غير أن البغدادي، برفقة نائبه الأنباري، سعى إلى إفشال تلك المساعي الاستقلالية، رغم تصريحه سابقاً بأن الرد الإيجابي من الظواهري سيدفعه للانسحاب من سوريا:
“إن جاء ردّ الشيخ الظواهري للجبهة، فسأقبّل رؤوس أهل الشام، وأحمل شوالاتي وأرجع إلى العراق.”
عطون أشار إلى أن البغدادي نكث وعده، مستنداً لاحقاً إلى ما يُعرف بـ”فتوى الظفر”، التي أباح بموجبها تنظيم داعش الاستيلاء على ممتلكات جبهة النصرة بالنهب والسلب، بل ذهب أبعد من ذلك بتبنّي ما سمّاه عطون “فتوى قتل المصلحة”، وهي فتوى نسبها إلى الأنباري، اعتبرها إسقاطاً تعسفياً على الفصائل السورية بهدف تبرير سفك دمائها.
في تلك المرحلة، برز عطون كأحد أبرز الوجوه الفكرية المناهضة لتنظيم الدولة داخل التيار الجهادي، عبر سلسلة مقالاته المعنونة “مسائل مهمة في الإمامة وحق الأمة”، التي سعى فيها لتفنيد شرعية خلافة داعش ونقد أطروحاته العقائدية. كما شارك في “المباهلة” العلنية التي دعا إليها العدناني، في مواجهة مباشرة نادرة بين التنظيمين، تحوّلت إلى معركة كلامية ذات طابع عقدي أمام جمهور المتعاطفين مع الجهادية العالمية.
من النصرة إلى هيئة تحرير الشام: تحولات عطون
ظهر عبد الرحيم عطون علناً للمرة الأولى في تموز 2016 خلال الإعلان عن فك ارتباط “جبهة النصرة” بتنظيم القاعدة وتحوّلها إلى “جبهة فتح الشام”، حيث كان من أبرز الوجوه الداعمة لهذا التحول الذي رُوّج له بوصفه انفتاحاً على الواقع السياسي المحلي وتخففاً من الارتباطات العابرة للحدود.
لاحقاً، برز عطون كواحد من المرجعيات الشرعية الأساسية داخل “هيئة تحرير الشام” التي تشكّلت من اندماج عدد من الفصائل، وظل حاضراً في بنيتها الفكرية والتنظيمية.
في 27 كانون الثاني 2018، أعلن عطون استقالته من الهيئة دون أن يوضح الأسباب، إلا أنه بقي قريباً من مؤسساتها الدينية والثقافية، ما حافظ على حضوره غير الرسمي ضمن دوائر التأثير.
أثار ظهوره في ندوة نظمتها “مديرية الثقافة في إدلب” عام 2021 حول تجربة حركة طالبان في أفغانستان جدلاً واسعاً، بسبب التغيرات الملحوظة في مظهره وخطابه، والتي فُسّرت على نطاق واسع بوصفها انعكاساً لتحولات أعمق تمرّ بها الهيئة على مستوى رؤيتها وموقعها من المشهد السياسي والديني في سوريا.
تباين الآراء حوله: بين محاولات التغيير والإرث الجهادي
أثار عبد الرحيم عطون جدلاً واسعاً في الأوساط السورية، الدينية والسياسية، بعد تعيينه في المكتب الاستشاري للشؤون الدينية في رئاسة الجمهورية. ففي حين رأت بعض الأطراف في هذه الخطوة إدماجاً للتيار الجهادي السابق في مؤسسات الدولة الجديدة ضمن مقاربة واقعية لتوسيع الشرعية، اعتبرها آخرون تطبيعاً خطيراً مع فكرٍ يحمل إرثاً عنيفًا ورفضاً عميقاً لمفاهيم الدولة المدنية والديمقراطية.
المدافعون عنه يشيرون إلى “تحولاته التدريجية”، معتبرين أن قبوله العمل ضمن مؤسسة حكومية تمثل الجمهورية يعكس تغيراً متقدماً وتخلياً ضمنياً عن نهجه الجهادي الصدامي، خصوصاً مع انخراطه في هيئات دينية تضم مشايخ من أطياف فكرية مختلفة. أما منتقدوه، فيرون أن حضور عطون داخل مؤسسة الدولة لا يمحو تاريخه في تكفير الديمقراطية، والتحريض على الجهاد العابر للحدود، بل يعدّ تهديداً لمشروع التعددية ومؤشراً على تغلغل التيار السلفي الجهادي داخل مؤسسات القرار.
هذا التباين يعكس عمق الإشكالية التي يمثلها عطون: شخصية تقف عند تقاطع حساس بين المراجعة والانخراط، وبين الشرعية الجديدة والإرث الجهادي الذي يصعب تجاوزه دون محاسبة أو مساءلة فكرية.


