FPN – رؤى النايف
تشهد مناطق شمال وشرق سوريا، ولا سيما ريف دير الزور الشرقي، ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الهجمات التي تشنها خلايا تابعة لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) مستغلةً حالة الفراغ الأمني والفوضى التي تعاني منها سوريا بشكل عام منذ سقوط نظام الأسد.
خلايا داعش صعّدت نشاطها من خلال تنفيذ هجمات مباغتة ضد نقاط أمنية وعسكرية، معتمدة على التفجيرات والاغتيالات والاشتباكات المسلحة في بعض الأحيان، فضلاً عن استهداف المرافق المدنية بهدف زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة.
السياق الزمني للهجمات
خلال شهر أيار الجاري، شهد ريف دير الزور الشرقي تصاعداً في الهجمات والاشتباكات مع خلايا تنظيم داعش، الذي ما يزال ينشط في المنطقة على الرغم من مرور سنوات على طرده منها وسيطرة قوات سوريا الديمقراطية عليها أواخر عام 2019. بدأت الأحداث بهجوم على لواء “ذيبان”، تلتها عدة محاولات لاستهداف نقاط أمنية في بلدتي ذيبان والشحيل، قوبلت جميعها بـ “رد حاسم” من قسد، التي أحبطت تلك المحاولات دون تسجيل خسائر كبيرة.
استمرت الاشتباكات بشكل متقطع، ووقعت مواجهات في منطقة حوايج ذيبان، وأسفرت إحدى العمليات عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف قسد، ما استدعى تنفيذ حملات أمنية دقيقة أدت إلى اعتقال عدد من المشتبه بانتمائهم للتنظيم ومصادرة أسلحة وذخائر. كما استهدف التنظيم إحدى النقاط العسكرية في بلدة البحرة، ما أسفر عن مقتل أحد مقاتلي قسد. لاحقاً، أحبطت القوات هجومين منفصلين في ريفي الحسكة ودير الزور، ما يعكس استمرار نشاط خلايا التنظيم رغم الضربات الأمنية المتتالية.
سياق أمني واستراتيجي عام
شهدت الفترة الأخيرة تراجعاً ملحوظاً في نشاط تنظيم داعش ضمن مناطق سيطرة الحكومة السورية، لا سيما في بادية دير الزور، وذلك عقب انسحاب مجموعات مسلحة مرتبطة بإيران من مواقع استراتيجية كانت تشكل نقاط ارتكاز للتنظيم في تنفيذ هجماته، إذ لطالما وفّرت البادية، بتضاريسها الوعرة وامتدادها الجغرافي الصعب بيئة مثالية لخلايا داعش لنصب الكمائن وشن الهجمات المباغتة ضد المواقع العسكرية والمدنية، إلى جانب ارتكاب أعمال عنف ضد السكان المحليين، إلا أن زيادة التنسيق الأمني وانتشار القوات المحلية في مناطق مثل الشولا والخراطة والبشري ساهم في تقليص عدد العمليات الإرهابية خلال الفترة الماضية، وإن كانت التحديات الأمنية لا تزال قائمة، خصوصاً في مناطق شرق نهر الفرات الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، حيث تستغل خلايا التنظيم الفراغات الأمنية والإدارية للتحرك وتنفيذ عمليات خاطفة.
رغم هذا التراجع النسبي، ما يزال التنظيم يحتفظ بقدرته على المناورة، ما يثير مخاوف حقيقية لدى السكان المدنيين من عودة دورة العنف، خاصة في ظل هشاشة البنية الأمنية وتردي الأوضاع الاقتصادية والخدمية. يعبّر المدنيون عن قلقهم من أن يؤدي استمرار التهميش وغياب الاستقرار إلى خلق بيئة خصبة لتجدّد نشاط داعش، الأمر الذي يتطلب مقاربة أمنية وتنموية شاملة، تشمل تعزيز التعاون بين القوى المحلية وتحسين الظروف المعيشية، للحد من فرص استغلال التنظيم لحالة اليأس والإحباط بين المدنيين.
من جهة أخرى، يعبّر العديد من السكان المحليين عن مخاوفهم المتزايدة من أن أي تراجع في العمليات الأمنية أو تأخير في إعادة إعمار المنطقة قد يسمح للتنظيم بالتمدد مجدداً، معتبرين أن الأمن ليس وحده العامل الحاسم؛ بل إن تدهور الوضع الاقتصادي والاجتماعي يُعتبر عاملاً أساسياً في تعزيز بيئة قابلة لتغذية التطرف. أشار بعض المدنيين إلى أن العديد من الشباب الذين فقدوا وظائفهم أو تراجعت فرص التعليم لديهم قد يصبحون فريسة سهلة لأي محاولات تجنيد من قبل خلايا داعش.
“من دون عمل أو أفق للمستقبل، فإن الكثير منا يشعر باليأس، وفي بعض الحالات، يصبح البحث عن أي مصدر دخل أو الأمان هو الأولوية حتى لو كان على حساب الالتزام بالقانون أو بالانتماء للمجتمع”، يقول أحد الشباب لشبكة الصحافة الحرة. وفي هذا السياق، دعا السكان إلى ضرورة تحسين الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والصحة، بالإضافة إلى توفير فرص عمل وبرامج تعليمية، كوسيلة فعالة لمكافحة الفكر المتطرّف وتحقيق استقرار دائم.
حملات قسد وجهود مكافحة الإرهاب
أطلقت قوات سوريا الديمقراطية في 16 أيار، بدعم من التحالف الدولي، حملات أمنية واسعة في ريف دير الزور الشرقي، استهدفت تفكيك البنية الأمنية لتنظيم داعش وتحييد الخلايا النائمة التي لا تزال تشكل تهديداً للأمن في المنطقة. جاءت هذه الحملة في إطار جهود مستمرة لملاحقة عناصر التنظيم الذين يحاولون استعادة نشاطهم عبر شن هجمات خاطفة أو تنفيذ كمائن ضد القوات العسكرية والمواقع المدنية، وركزت الحملة على تعزيز الرصد الاستخباراتي من خلال جمع المعلومات حول تحركات خلايا التنظيم وقياداته، ما ساعد في تحديد أهداف دقيقة لتنفيذ عمليات أمنية فعّالة.
وحدات المجلس العسكري ووحدات حماية المرأة (YPJ) لعبت دوراً محورياً في هذه الحملات، حيث تعمل على تنفيذ خطط طوارئ شاملة تتضمن استجابة سريعة للهجمات المحتملة وتأمين المناطق المستهدفة. كما تم تكثيف التنسيق بين القوى الأمنية المحلية والتحالف الدولي لضمان تناغم الجهود وتعزيز فعالية العمليات العسكرية.
علاوة على ذلك، وضعت قوات سوريا الديمقراطية استراتيجية طويلة المدى تستهدف تدريب كوادرها على أعلى مستوى ممكن. تم تنظيم دورات خاصة في مجالات مكافحة الإرهاب والرصد الاستخباراتي، حيث يتلقى أفراد القوات تدريباً متخصصاً على تقنيات جمع المعلومات وتحليلها، وكذلك على كيفية التعامل مع مختلف أشكال التهديدات الأمنية. هذا التدريب المكثف يعزز قدرة القوات على الاستجابة بشكل أسرع وأكثر دقة في حالات الطوارئ.
بالإضافة إلى ذلك، تم تعزيز التعاون مع المجتمع المحلي، حيث يتم عقد لقاءات مع السكان المحليين للاستماع إلى مخاوفهم وتزويدهم بالتوجيهات اللازمة لمنع أي دعم غير مقصود لتنظيم داعش أو خلاياه. كما تم تحفيز المجتمعات المحلية على المشاركة في جهود مكافحة الإرهاب من خلال زيادة الوعي حول أهمية التعاون الأمني المشترك. هذه الجهود تهدف إلى بناء ثقة أكبر بين قسد والمجتمعات المحلية، وتوفير بيئة أكثر استقرارًا وأمانًا، مما يقلل من فرص تجنيد الشباب المحليين من قبل التنظيم.
من خلال هذه الاستراتيجيات، تسعى قوات سوريا الديمقراطية إلى ضمان أمن المنطقة على المدى الطويل، وتقويض قدرة تنظيم داعش على استعادة نشاطاته الإرهابية، ما يعكس التزامها العميق بتحقيق الاستقرار ومنع أي محاولات لزعزعة الأمن في المنطقة، بحسب ما ذكره مصدر عسكري مطلع لشبكة الصحافة الحرة.
إحصائيات الهجمات خلال أيار 2025
شهد ريف دير الزور الشرقي تصاعداً لافتاً في نشاط تنظيم داعش خلال النصف الأول من شهر أيار 2025، حيث تم تسجيل تسعة حوادث أمنية رئيسية خلال الفترة الممتدة من 4 إلى 19 أيار، بدأت سلسلة الهجمات في 4 أيار بمحاولة اقتحام لواء “ذيبان”، تلتها هجمات مزدوجة، في كل من 5 و6 أيار على نقاط قوى الأمن الداخلي ومواقع لقوات سوريا الديمقراطية في بلدات ذيبان، الشحيل، وجديدة عكيدات، وفي 8 أيار استُهدفت نقطة عسكرية في “حوايج ذيبان”، ثم تصاعدت وتيرة العنف في 15 أيار عندما أدى هجوم في “أبو حمام” إلى مقتل وجرح مقاتلين من قسد.
وابتداءً من 16 وحتى 17 أيار، نُفذت عمليتان أمنيتان نوعيتان في الريف الشرقي والبصيرة أسفرتا عن اعتقال أكثر من عشرة عناصر من التنظيم وضبط كميات من الأسلحة، في 18 أيار، قُتل مقاتل وأُصيب آخر بهجوم على نقطة في “البحرة”، بينما شهد اليوم التالي (19 أيار)، هجومين متزامنين في الحسكة ودير الزور، أحدهما استهدف نقطة تفتيش والآخر أدى إلى أضرار مادية في بلدة “سويدان”. توضح هذه الأرقام والوقائع حجم التهديد المستمر، وسط تأكيد قسد على مواصلة التصدي وملاحقة الخلايا النائمة للتنظيم.
