FPN – ليدا زيدان
يحتاج الفن إلى فضاءات خاصة به تُسهّل عملية تلقّيه والتفاعل معه، وتصبح هذه الفضاءات أكثر ضيقاً في المجتمعات التي تشهد أعمال عنف، ويصبح الصراع بين الفن والسلطة أكثر وضوحاً، خاصة إن كان يتوجّه لتحويل مساحات العنف إلى أماكن للفعل الفني.
يمكننا اعتبار فعاليات “دولة فارماكون” مثالاً على ذلك، حيث عاد المعرض لفتح أبوابه ليومين أخيرين لاختتام فعالياته بعد أن توقّف لنحو شهرين نتيجة أعمال العنف في مدينة جرمانا، بعد أن تم افتتاحه للمرة الأولى في الخامس والعشرين من نيسان الفائت داخل مبنى فرع مكافحة المخدرات سابقاً، وبعد أربعة أيام على الافتتاح بدأت أعمال العنف في المدينة ما أدى لإيقافه. أقيم المعرض في مكان يحمل رمزية كبيرة (فرع مكافحة المخدرات) دون أي تغيير في حالته المادية أو تاريخه، إذ تم ترتيب المكان وإضاءته مع الحفاظ على حالته السابقة.
ما حدث يحيلنا إلى سؤال جوهري: هل تنتصر الفضاءات الفنية على العنف أو أن العنف قادر على إسكات جميع الأصوات واستباحة الفضاء العام لصالحه؟
الفن حين يصبح جزءاً من الواقع
شبكة الصحافة الحرة التقت منظم المعرض الفنان المفاهيمي، خالد بركة، وهو فنان متعدد الاختصاصات وناشط ومدير ثقافي يعمل على تقاطع الفن والسياسة ويعرف بممارساته الفنية التي يسميها “ممارسات الضرورة”. تحدث بركة عن الأحداث الأخيرة في المدينة وتأثيرها على فعاليات المعرض: “ما حدث في جرمانا خلال الفترة الماضية لم يكن هامشياً أو منفصلاً عن مشروع دولة فارماكون، بل امتداداً واقعياً مؤلماً لما نحاول تفكيكه فنياً ومجتمعياً، فالهجوم المسلح الذي تعرضت له المدينة أكد على هشاشة ما نعيشه وعلى الحاجة العميقة لتثبيت قيم السلم الأهلي والمناعة المجتمعية”.
أما عن تأثير الإيقاف على المشاركين والمنظمين يقول بركة: “بالتأكيد هناك نوع من الإحباط، لكن هذا هو الواقع في سوريا ونحن في مرحلة جنينية لذلك علينا أن نكون جاهزين لأي حدث، بالإضافة إلى أن ذلك يوضح صعوبات العمل الثقافي في سوريا، فالأعمال الفنية خارج سوريا لا تحتاج لتخطيط والتفكير بالخدمات الأساسية من كهرباء وغيرها، هنا الواقع مختلف، كانت تجربة مهمة خاصة أنه كان من المقرر أن يستمر المعرض لفترة طويلة”.
تبرز في أوقات كهذه قوة الفن وقدرته على التأثير أمام سطوة العنف، وبالرغم من أنه يصبح محاصراً ضمن فضاء ضيق لكن هذه المحاولة من الفن للثبات ضمن سياق مضاد يسعى دائماً إلى تفكيكه تثبت قوته، يتابع بركة: “نعم، كان هناك قلق وخوف وبعض المشاركين شعروا بالتردد، لكن فوجئنا بالإصرار بعد انتهاء الأحداث، فالحضور تضاعف والفنانون والفنانات أصروا على المضي قدماً، وكنا قد أجلنا العرض احتراماً للدماء لكننا لم نغلق الأبواب، على العكس واصلنا العمل بحذر وحب”.
يصبح تأثير النشاط الفني في هذه الحالات مضاعفاً، فبالإضافة للأعمال الفنية المعروضة وخصوصية كل عمل، يتحوّل وجود هذا الفضاء الفني إلى فعل مقاومة للعنف، يضيف بركة عن ذلك: “زاد إصرارنا لأننا نعلم أن المشروع ليس فقط عن المخدرات والإدمان، بل عن البنية التي تنتج كل هذا العنف أكان في شكل كبتاغون، أو بندقية، أو خطاب كراهية، هذه التجربة أثبتت لنا أن الفن حين يكون مرتبطاً بالمجتمع لا يتوقف عند القماش ولا الجدار، إنه يصبح خيطاً صغيراً من خيوط النجاة، وبذلك المعرض أصبح أكثر من فعالية ثقافية “أصبح مساحة مقاومة مدنية ناعمة، نرد فيها على العنف بالضوء وعلى التخويف بالتجمع وعلى الطائفية بالعيش المشترك”.
فكرة المعرض
تحمل كلمة “فارماكون” في اللغة اليونانية القديمة معنيين متناقضين هما (العلاج-السم) وهو ما يعكس المفارقة الأساسية التي يتحدث عنها المعرض، حيث استخدم الفضاء كمكان عروض فنية، تسلط الضوء على التناقضات الاجتماعية والسياسية المرتبطة بظاهرة الإدمان، وبحسب “بركة” فقد استخدم الإسم للدلالة على التناقض الأخلاقي في تجارة المخدرات التي انتشرت في سوريا؛ “نظام الأسد صنع المادة لتخدير مقاتليه ولإطالة قدرتهم على القتال، وصدّر ما يعادل 80% من الإنتاج العالمي لتمويل آلته القمعية، لكن المفارقة أنه وفي غياب المساءلة بدأ هو نفسه بتعذيب ضحاياه من المدمنين، أردنا أن نسحب هذه الثنائية من الظل إلى النور”.
يطرح المعرض عدة أسئلة: “رغم سقوط النظام ما تزال إمبراطورية الكبتاغون قائمة، من يصنع المخدرات اليوم؟ من يدير الشبكات؟ من يربح؟ من يعاقب؟” بالإضافة لضرورة الاعتراف بالإدمان في سوريا ومعالجة الوصمة الاجتماعية السلبية تجاه المدمنين والنظر إليهم كمشكلة اجتماعية، ما يمكن للفن أن يفعله هو زحزحة السكون، كسر الصمت، وتوليد أسئلة حقيقية.
يناقش المعرض علاقة الفن بالسلطة، معتمداً بشكل أساسي على تفكيك المفاهيم والسلوكيات السلطوية، وتحرير الفكر من الأحكام المسبقة عبر فعل جمالي يحاكي الأحاسيس العميقة وهكذا بينما كانت السلطة تفرض رقابتها سابقاً على الفن، تنقلب الأدوار ليكون للفن سلطة جمالية، مهمتها الكشف عن تاريخ السلطة السياسية و أفعالها، وتفكيك سرديتها وتغيير المفاهيم، يشكل الفن هنا خيطاً رفيعاً يصل بين الإنسان وحقيقته التي تم تغييبها قسراً.
مشاركات متنوعة
شبكة الصحافة الحرة التقت أيضاً الفنانة التشكيلية، ندى عقل، وهي متخرجة من كلية الفنون الجميلة بالإضافة لدراستها في قسم، السينوغرافيا والتصميم المسرحي. تشارك عقل بعملين، الأول هو عبارة عن ثلاثية باسم “كيان الإدمان”. تقول:”العمل عبارة عن تشكيل حروفي بالخط الكوفي لكلمة كيان، والتي تدل على الفئات التي استغلت السلطة للترويج لحبوب الكبتاغون، والاستفادة اقتصادياً من ذلك دون الاهتمام بنتائج ذلك اجتماعياً”. كما استخدمت عقل الخط الكوفي والذي هو عبارة عن خطوط منكسرة تصوّر ما يشبه المتاهة، توضح: “استخدمت المتاهة بنقاط النون في لوحتين، واستخدمت المتاهة في اللوحة الثالثة بلون ذهبي، للدلالة على حبوب المخدر وجاذبيتها في البداية، هذه الجاذبية التي تتحول إلى ضياع”.
أيضاً شاركت عقل بعمل مشترك مع الفنان وسيم الحميدي، باسم “الكرسي الطائر”. هذا العمل تم إنجازه بمواد كانت موجودة في الفرع، عمل كل من عقل والحميدي لتكون الكرسي إسمنتية، وابتكروا طريقة لجعلها تطير، عبر إسنادها على مجموعة من التقارير الورقية التي كانت موجودة هناك، “كانت لدينا رغبة بأن نبتكر شيئاً جديداً، فقررنا عمل زوبعة أو دوامة من التقارير الخفيفة، والتي تسببت بطيران الكرسي المتحجرة، لنعبر عن التباين بين الخفة والثقل”.


التقت الشبكة أيضاً بالفنانة، عبير كيوان. أطلقت كيوان على لوحتها اسم “الأمل المتدلي” حيث تعبّر من خلالها عن نظرة المجتمع للمدمن بتصويره على هيئة شجرة يابسة ليس لها فائدة، تقول كيوان: “صورت داخل الشجرة وكأنه ما تزال هناك روح عالقة، بين رغبة التحرر من الإدمان، وقيد الإدمان، مع ملامح وجه متألم ضمن الأغصان”.
كما رمزت الفنانة للروح المنسية بأرجوحة متدلية من الشجرة، حيث تعبّر حركة الأرجوحة بالصعود والهبوط عن الأمل والاستسلام، تضيف: “أردت الإشارة إلى غموض الحالة التي يمر بها المدمن، ورحلة التعافي، والدعوة لأمل حتى ولو كان قائماً على خيط هش”.

جيهان القطان، فنانة تشكيلية، شاركت أيضاً بلوحة تحمل اسم “تلاشي” والتي تجسّد قصة مدمن خلف القضبان، حيث الإهانة والتعذيب جزء من يومه، تقول القطان: ” اللوحة تعبّر عن حالة المدمن الذي يفتقد إنسانيته داخل السجن، إذ تصبح ملامحه باهتة، خالية من المشاعر وكأنها ذابت داخل جدران السجن، ويتحول إلى شخص تائه داخل زمن ثابت، تتقاذفه آلام الماضي وضياع المستقبل”.
تضيف القطان أن مشاركتها تهدف لإيصال رسالة بأن المدمنين بحاجة لرعاية صحية وتوعية بدل التعذيب بوحشية، وتؤكد أنه بإمكان الفن الاضطلاع بمهمة نشر الوعي بقضايا اجتماعية مثل الإدمان وتحقيق نتائج إيجابية.

الفنانة سماح عدوان شاركت من جهتها بعمل يحمل اسم “فضاء محدود..رغم اتساعه”، صوّرت من خلاله القيود الداخلية التي يفرضها الإدمان. تقول: “عملي عبارة عن شخص منقسم لنصفين، نصف مقيد يمثل حالة الإدمان، والنصف الآخر محاولة للتمرد وتكسير القيد الداخلي، فيما يمثل الإطار الخارجي الفضاء المحدود الذي نعيش فيه”.

الفنانة ماجدولين العلي، تحدّثت أيضاً عن سبب مشاركتها: “منزلي يقع بجانب الفرع، وكنت شاهدة في أحيان كثيرة على نقل المساجين وتعذيبهم”. اعتمدت العلي على تصوير المشاعر التي ترافق الإدمان، حيث بحثت عن الأسباب التي تدفع الشخص للتعاطي، تقول: “بالنسبة لي وجود الفن هو ما منعني عن التعاطي، ضمن الظروف التي مررنا بها جميعاً، كنت أعبر عن مشاعري من خلاله”.
اعتمدت الفنانة تقنية (FMRI) وهذه التقنية تستخدم لمعرفة النشاط الدماغي، يمكن من خلالها معرفة مشاعر المتعاطي دون سؤاله عما يشعر به، حسب المنطقة النشطة في الدماغ، وأرفقت الفنانة مقطعاً موسيقياً يعبر عن اللوحة، حيث يمكن للزوار سماع الموسيقى عبر سماعات، أثناء مشاهدة اللوحة، العلي أضافت بأنها ترغب بإيصال رسالة من مشاركتها. “ينبغي علينا جميعاً التخلص من المخبر والجلاد بداخلنا، وأن نتوقف عن الشعور بأننا نملك سلطة تقييم بعضنا البعض”.

يعتبر معرض “دولة فارماكون” باكورة أعمال التجمع الفني “تراكم” والذي أسسه الفنان خالد بركة بعد عودته إلى سوريا ضمن مشروع “جرمانا سوريا الصغرى”، ويتألف المشروع من عدة تجمعات مهنية، وبحسب بركة فإن الفعالية جاءت كنتيجة لسقوط النظام وأدواته “القانون القمعي والإعلام الموجه وحتى نظرتنا لأنفسنا، فما يبقى بعد السقوط هو ما يعاد بناؤه، ولذلك هناك حاجة ماسة لإعادة بناء المعنى”، فالمعرض هو عبارة عن محاولة لكتابة الرواية من منظور الضحايا، من الهامش، من أناس اختبروا الألم وعادوا ليتحدثوا عنه لا كضحايا بل كمشاركين في إعادة التكوين.
