FPN – نوار الخطيب
على سطح منزله الذي يطلّ على مساحة واسعة من دمشق وجبلها، يشير بيده إلى البيوت المحيطة به في حارة اليهود. “هنا كان يسكن أبناء طائفتي، بقي منهم سبعة فقط وجميعهم قد تقدم في السن، لم يبق أحد، ولن يرجع أحد”، يقول آخر اليهود في دمشق -كما يعرّف عن نفسه- ورئيس الطائفة اليهودية، بيخور سمان طوب؛ رجل يعيش وحيداً في منطقة قريبة من الشارع المستقيم.
يقع منزله الدمشقي القديم الذي يمتلئ بالنباتات والأشجار في حارة اليهود، ويفضّل البقاء على سطح منزله ليرى دمشق من مكانه هناك، بالقرب من مدرسة ابن ميمون للطائفة الموسوية المغلقة.
بيع أملاك اليهود في دمشق
تحتلّ حارة اليهود مساحةً واسعةً من المدينة وحاراتها القديمة، وتقع داخل سور دمشق القديم بجانب كل من الحيين المسيحي والإسلامي، خلف حديقة القشلة والشارع المستقيم، وتعود ملكية المنازل فيها لليهود السوريين الذين سكنوها منذ زمن طويل.
بعد أن هاجر اليهود من المدينة، أو تم تهجيرهم منها، بقيت معظم تلك البيوت مغلقة، وحرص النظام السابق على عدم المساس بأملاك اليهود التزاماً منه بمعاهدات كان قد وقع عليها. بعد سقوط الأسد نهاية العام الفائت، ووصول هيئة تحرير الشام إلى السلطة وتشكيل حكومة تسيير أعمال، بدأت بيوت اليهود تُباع، أو تُسكن من قبل أشخاص مجهولين.
أوضح بيخور سمان طوب في حديث خاص مع شبكة الصحافة الحرة أن هناك مكتباً لليهود الغائبين في حي الأمين، يديره كل من يوسف حمدان وأحمد أبو الشكر ومحمد مصطفى، واتهمهم بتسليم بيوتٍ في الحي كان يملكها اليهود، وما زال ذلك مستمراً حتى الآن.
يقول بيخور إنه اجتمع مصادفةً مع أشخاص ممن تم تسليمهم أحد البيوت، وأشار إلى أن “أصحاب المكتب لديهم موافقة من وزارة الداخلية على هذا الأمر”.
يصف بيخور تسليم بيوت اليهود بأنه “تصرف استفزازي”، مستغرباً من دعوات الحكومة الجديدة لليهود المهاجرين من أجل العودة بينما تقوم بتسليم وبيع منازلهم، “الآن ذهبت أملاك اليهود، لدي مخاوف من أن يتم تسليم جميع البيوت والمحال التجارية، إذ بإمكان أي شخص أن يتوجه للمكتب ويسجّل ويعاين المنزل، ثم يتم الاتفاق على سعر محدد ويتم بيعه، هناك بيوت يتم كسر أبوابها والدخول إليها مع العلم أن هذه المنازل جميعها تعود لليهود الذين غادروا سوريا عام 1992”.
تصنّف البيوت الموجودة في حارة اليهود إلى بيوت الطائفة أو ما يُسمى “الوقف”، وهي بيوت لأشخاص توفوا ولم يكن لديهم أبناء، وبيوت هؤلاء توهب للطائفة ولا يمكن لأحد التصرف بها، أما باقي البيوت فتسمى أملاك اليهود الغائبين، وهذه تابعة لوكالة الغوث الفلسطينية وهي البيوت التي يتم تسليمها.
حاول بيخور أن يتابع موضوع تسليم البيوت لإيقاف هذه العملية وتلقى وعوداً بذلك، لكنه أشار إلى أنه بعد اجتماعه بالمسؤولين عن المكتب أنهم ادّعوا أن تسليم البيوت يتم وفقاً لاتفاق يقضي بتسليم البيت وترميمه من قبل الشخص الذي تسلّمه على أن يدفع سنوياً مبلغاً محدداً مقابل عقد لسنتين أو ثلاثةمع إمكانية إعادة المنزل في حال عودة صاحبه، لكن بيخور يقول إن هذه الرواية لا تقنعه وليست لديه ثقة بما يحدث.
يضيف بيخور أنه في عهد النظام السابق لم يحدث هذا، حينها كان رئيس الطائفة اليهودية يدعى ألبير قمعو، وحسب بيخور كانت له علاقات جيدة مع المخابرات السورية، “لم تُسلّم المنازل لكن كان يتم التلاعب بشكل آخر إذ لم نكن نعلم أين تذهب بدلات الإيجار حيث كان يمنع كشف الحسابات هو والمخابرات، علماً أن المسؤول عن هذه المنطقة آنذاك كان فرع فلسطين، وبقيت الحال هكذا حتى هروب بشار الأسد”.
سقوط الأسد وزيارة اليهود لدمشق
زار عدد من اليهود السوريين المقيمين في أمريكا دمشق بعد سقوط نظام بشار الأسد، وكانت هذه الزيارة الأولى بعد 33 عاماً، وكان من بين الزوار الحاخام يوسف حمرا مع ابنه هنري، حيث قاما بزيارة المعابد اليهودية في المدينة، بالإضافة لإقامة صلاة جماعية في كنيس الإفرنج في دمشق، وكانت حكومة تسيير الأعمال قد دعت اليهود للعودة إلى البلاد، وإعادة ترميم معابدهم، كما تكفّلت بالحفاظ على إرثهم.
يقول بيخور: “بعد سقوط النظام أرسل أحمد الشرع شخصاً يدعى محمد بدران لمقابلتي، وقال إن الحكومة ملتزمة بحماية الأقليات، وأنها تدعم عودة اليهود، والبيوت خط أحمر بالنسبة لهم”. بعد مدة صغيرة من السقوط بدأت الاتصالات الدولية بالورود للاطمئنان على أوضاع اليهود، بهدف معرفة إن كانت هناك أي مضايقات من الحكم الجديد، ويضيف بيخور “كل شيء تغير نحو الأفضل منذ سقوط النظام وأصبح بإمكاننا الحديث بحرية أكبر”، لكنه لفت إلى أن زيارة اليهود كانت فقط لإحياء العلاقات مع البلد الأم، وأنه لا نية عند اليهود بالعودة إلا بهدف الزيارة أو العمل.
ورفض بيخور التعليق على تصريحات المسؤولين الإسرائيليين الأخيرة، مؤكداً أن اليهود السوريون لا يتدخّلون في السياسة، وفي الوقت نفسه أبدى تخوّفه وحزنه من أن ينتهي وجودهم في دمشق.
من هم يهود سوريا؟
يعود وجود اليهود في دمشق لزمن قديم، وينقسمون إلى اليهود المزراحيم الذين يقطنون في موطنهم منذ عهد النبي داود بحسب الروايات الدينية، والسفارديم الذين استقروا في المنطقة بعد طرد اليهود من إسبانيا عندما سقطت الأندلس.
يتركز وجود اليهود في ثلاث مدن، وهي دمشق وحلب والقامشلي، وكان لليهود حقوق ومقاعد في البرلمان مثل أي طائفة أخرى في سوريا، وكانوا يعيشون في توافق وانسجام مع جيرانهم وأبناء سوريا الآخرين.
بعد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وُلدت حالة من العداء تجاه اليهود الموجودين في دمشق، ثم زاد هذا العداء أعقاب احتلال الجولان، على إثر ذلك بدأ يهود سوريا بالهجرة وكانت غالباً هجرة غير شرعية، خاصة بعد هزيمة 1967 حيث زاد التضييق على من بقي منهم داخل البلاد، فتم تقييد حركتهم وحُرموا من التوظيف في الحكومة أو الحصول على رخصة قيادة، كما مُنعوا من بيع ممتلكاتهم أو أداء الخدمة العسكرية، وتم إغلاق المدارس والمعابد اليهودية، ثم صدر قرار بمنعهم من مغادرة البلاد حتى عام 1992، عندما أصدر حافظ الأسد قراراً يسمح لهم بمغادرة البلاد بعد انعقاد مؤتمر مدريد للسلام، فهاجر أغلبيتهم فيما بقي عدد قليل منهم في سوريا، ويعيش معظمهم الآن بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، هذا وتضم حارة اليهود في دمشق 24 كنيساً، بالإضافة لكنيس في حي جوبر، وكنائس أخرى في مدينتي حلب والقامشلي.



