FPN
تعرّضت عائلات كردية عائدة إلى تل أبيض شمالي الرقة، أمس الإثنين، لاعتداءات شملت إحراق مركبات وتخريبها والاعتداء على بعض أفرادها، ما اضطر عشرات العائلات إلى الاحتماء داخل مبنى الإدارة المحلية لساعات.
وقعت الحادثة بينما كانت العائلات تسعى إلى استعادة منازلها وأراضيها بعد نحو سبع سنوات من النزوح، وفي وقت ينصّ فيه اتفاق كانون الثاني بين الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية على ضمان عودة المهجّرين إلى مناطقهم.
اعتداء رغم التنسيق المسبق
وصلت نحو 50 عائلة كردية إلى تل أبيض، المعروفة بالكردية باسم كري سبي، لاستكمال إجراءات تتعلّق باستعادة ممتلكاتها، بحسب إفادات بعض العائدين، وذلك بتنسيق مسبق مع الحكومة المؤقتة والإدارة المحلية والقوى الأمنية، مؤكدين أنهم يحملون وثائق تثبت ملكيتهم للمنازل والأراضي.
لكن تجمّعاً في المدينة هاجم العائدين، ما دفعهم إلى الاحتماء داخل مبنى الإدارة المحلية، وأظهرت مقاطع مصوّرة تكسير وحرق السيارات، فضلاً عن الاعتداء بالضرب على رجال ونساء.
المرصد السوري لحقوق الإنسان قدّر عدد المركبات التي تعرّضت للتخريب أو الإحراق بنحو 20 سيارة، وأفاد بوقوع إطلاق نار ورشق المركبات بالحجارة والعصي. في المقابل، ذكرت شبكة “روداو” أن سكاناً محليين تحدّثوا عن إحراق ثماني سيارات على الأقل، بينما لم تتمكّن شبكة الصحافة الحرة من التحقق بصورة مستقلّة من توقيت جميع المقاطع أو هويّات المشاركين في الاعتداءات.

عائلات محاصرة وتدخل أمني
المرصد ذكر أن نحو 100 شخص من العائدين ظلّوا داخل مبنى الإدارة المحلية مع تصاعد التوتّر، قبل أن تتحرّك سيّارات للأمن العام من الرقة باتجاه تل أبيض لاحتواء الوضع، وذكرت “روداو” أن العائلات بقيت داخل المبنى أكثر من ثماني ساعات، قبل وصول القوّات الأمنية ومغادرة عدد من العائلات باتجاه مدينة كوباني (عين العرب).
قوى الأمن الداخلي في محافظة الرقة قالت في بيان إن مثل هذه التصرّفات تقوّض الأمن والاستقرار وتضرّ بممتلكات المواطنين، مؤكّدة أنها ستعمل على كشف المتورّطين ومحاسبتهم وفق القوانين والأنظمة، ولم تتوفّر، حتى ساعة إعداد التقرير، معلومات مستقلّة كافية عن عدد الإصابات أو عن نتائج تحقيق رسمي في الحادثة.
من جهتها، طالبت لجنة مهجّري رأس العين (سري كانيه) بإجراء تحقيق رسمي وشفّاف ومستقلّ، وتحديد المسؤولين عن الاعتداءات ومحاسبتهم، إلى جانب توفير ضمانات أمنية تحمي العائدين ومنازلهم ومركباتهم. كما دعا المجلس الوطني الكردي في سوريا إلى تشكيل لجنة تحقيق، محذّراً من أن الاعتداءات تهدّد فرص العودة الطوعية والآمنة والكريمة.
اتفاق كانون الثاني وعودة المهجّرين
وقّعت الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية اتفاق وقف إطلاق النار والاندماج في 18 كانون الثاني 2026، ثم أُعلن عن اتفاق شامل في 30 كانون الثاني. وتضمّنت التفاهمات المعلنة ترتيبات لدمج المؤسسات العسكرية والمدنية، وتوحيد الهياكل الإدارية والأمنية، وتسوية الحقوق المدنية والتعليمية للكرد، وضمان عودة المهجّرين إلى مناطقهم.
يضع هذا الالتزام عودة السكان في صلب المسار السياسي والأمني الذي يفترض أن ينهي الانقسام المؤسّسي ويعالج آثار سنوات النزاع، لكن حادثة تل أبيض تكشف الفجوة بين النصوص المعلَنة والقدرة على توفير الحماية على الأرض، خصوصاً حين تتصلّ العودة بممتلكات متنازع عليها أو بمخاوف أمنية مرتبطة بالهوية والانتماء السياسي.
على الأرض، تظهر الوقائع أنه لا تكفي الدعوة إلى عودة المهجّرين أو تنظيم انتقالهم إلى مناطقهم لضمان عودة فعلية، فالعائلات تحتاج إلى حماية خلال إجراءات إثبات الملكية، وإلى جهة أمنية قادرة على منع الاعتداءات وملاحقة مرتكبيها، وإلى آلية قانونية للفصل في النزاعات العقارية. كما أن اتهام العائدين بالارتباط بقوات سوريا الديمقراطية لا يصلح أساساً لمنعهم من استعادة ممتلكاتهم أو تعرّيضهم للعنف.
قبل تل أبيض.. رأس العين
ما حصل في تل أبيض يوم أمس لم يكن الحدث الأول من نوعه، ففي آب الماضي، تعرّضت عائلات كردية عائدة إلى رأس العين لاعتداءات خلال محاولة استعادة منازلها، ما أدّى إلى تعليق ترتيبات العودة مؤقّتاً وسط مطالبات بتوفير ضمانات أمنية. ثم استؤنفت عمليات العودة على دفعات، كان أحدثها قافلة ضمّت نحو 645 عائلة.
تعود جذور النزوح في المدينتين إلى العملية العسكرية التركية التي بدأت في تشرين الأول 2019، وسيطرت خلالها القوّات التركية وفصائل سورية مدعومة منها على مناطق حدودية شملت تل أبيض ورأس العين، ما دفع السكان إلى مغادرة منازلهم خوفاً من الانتهاكات، ومن بينهم أعداد كبيرة من الكرد، حيث توّجهوا إلى مناطق أخرى في شمال شرقي سوريا، فيما تعقّدت عودة بعضهم لاحقاً بسبب الأضرار التي لحقت بالمنازل، وتغيّرات السيطرة، والمخاوف الأمنية، والنزاعات على الممتلكات.
في تعليق على الاعتداءات الأخيرة، شدّدت نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، دانييلا غروس دي ألميدا، في تصريح نقلته “روداو”، على مسؤولية السلطات الانتقالية عن توفير بيئة آمنة للمكونات القومية والدينية في سوريا. ويضع هذا التصريح حماية العائدين ضمن مسؤوليات السلطات، بصرف النظر عن الانتماءات السياسية التي تُنسب إلى الأفراد.
هذا ويبقى الاختبار العملي لاتفاق كانون الثاني مرتبطاً بما ستفعله الجهات المعنية بعد الحادثة: هل سيُفتح تحقيق معلَن؟ هل ستُحدَّد هويّات المعتدين وتُتّخذ إجراءات بحقّهم؟ هل ستُحمى ممتلكات العائلات ويُسمح لها باستعادة منازلها؟
الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدّد ما إذا كانت العودة ستتحوّل إلى مسار مستقرّ، أم ستظلّ عرضة للعنف والنزوح المتكرّر.
