FPN – سلام العبدلله
مع تسلل نسمات البرد الأولى إلى مدن وبلدات محافظة الحسكة عاد كابوس المحروقات ليتصدّر الأحاديث اليومية للسكان. مفارقة قاسية تعيشها المنطقة التي تضم أكبر حقول النفط في البلاد، إذ يجد الأهالي أنفسهم في مواجهة شتاء قارس بلا وسائل تدفئة، وسط تعثّر عمليات التوزيع وارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية لا تتناسب مع القدرة الشرائية للغالبية العظمى من العائلات.
آلية التوزيع السابقة
خلال الأعوام الماضية، كانت لجنة المحروقات التابعة لما كان يُعرف بالإدارة الذاتية تعتمد آلية منتظمة لتوزيع مازوت التدفئة مع بداية كل خريف عبر الكومينات (المجالس المحلية) وبالاعتماد على دفتر العائلة.
كانت تُخصص لكل أسرة حصة سنوية تبلغ 300 ليتر (وتصل أحياناً إلى 400 ليتر في بعض المناطق) بسعر مدعوم، تدرّج في أوقات سابقة من 150 ليرة وصولاً إلى نحو 325 ليرة، ثم استقر مؤخراً عند حدود 1,100 ليرة سورية لليتر الواحد (أي ما كان يعادل قرابة 330,000 ليرة قديمة للبرميل الكامل).
على الرغم من الشكاوى التي كانت تُثار حينها حول البطء أو سوء التنظيم والازدحام، إلا أن تلك البطاقات والحصص كانت تضمن حداً أدنى من الدفء والأمان المعيشي للعائلات مع إطلالة الشتاء.
غياب التوزيع المدعوم
على الرغم من صدور القرارات الأخيرة عن وزارة الطاقة في الحكومة السورية المؤقتة، وتحديد أسعار المازوت عبر ثلاث فئات استهلاكية (المدعوم بـ 115 ليرة جديدة، والمخصص بـ 150 ليرة جديدة، والقياسي بـ 175 ليرة جديدة)، إلا أن واقع الأسواق في الحسكة يروي قصة مختلفة تماماً.
الفئات المدعومة وشبه المدعومة غابت كلياً عن محطات التوزيع ومجالس الأحياء، ولم يستلم معظم السكان حصصهم المنزلية المقرّرة عبر دفتر العائلة كما كان يجري في سنوات سابقة، ليجد المواطن نفسه مكرهاً على التعامل مع السعر الأعلى البالغ 175 ليرة جديدة (17,500 ليرة قديمة) لليتر الواحد، أو اللجوء إلى السوق السوداء بأسعار تجارية تتجاوز ذلك بكثير.
في بلدة معبدة (كركي لكي) بريف الحسكة، يصف أحمد العبود، وهو رب أسرة مكونة من ستة أفراد، الأزمة وتفاقم المعاناة الحالية مقارنة بالسنوات الماضية: “كنا ننتظر بداية الخريف بفارغ الصبر لنأخذ حصتنا المدعومة ونتجهّز للشتاء، وكان السعر مقدوراً عليه مقارنة بدخلنا البسيط، أما هذا العام فالوضع كارثي بكل ما تعنيه الكلمة.. لم نرَ لتر مازوت واحد بسعر مدعوم، والتوزيع متوقف كلياً”.
يضيف العبود: “نسمع بالقرارات الرسمية وعن فئات أسعار متعددة، لكن حين ننزل إلى الأرض لا نجد أي شيء من هذا الكلام”.
الخيار الوحيد المتاح اليوم أمام سكان الحسكة هو المازوت القياسي بسعر 17,500 ليرة سورية لليتر الواحد، وهذا يعني أن ملء برميل واحد فقط يلزمه أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون ليرة! يقول العبود: “كيف يمكن لأسرة تعتمد على عمل يومي بسيط أن تؤمّن هذا المبلغ؟ ينتهي بنا الأمر بين خيارين أحلاهما مرّ: إما الاستدانة والتغاضي عن مصاريف الأكل والعلاج، أو ترك أطفالنا يرتجفون من البرد تحت الأغطية”.
آلية توريد معقّدة
في مدينة القامشلي، يكشف أحد العاملين في محطة الوقود (فضل عدم ذكر اسمه) عن آلية التوريد المعقدة، ويوضح أنه في السابق كانت الصهاريج تصل بانتظام من المصافي والمراكز المحلية المعتمدة لتفريغ حصص البطاقات العائلية بالسعر المدعوم، وكانت الأزمة تنحصر في الازدحام والتنظيم فقط، لكن المادة كانت تتدفّق في النهاية.
اليوم المشهد مختلف تماماً، يوضح العامل: “مستودعاتنا خاوية كلياً من المازوت المدعوم بفئتيه الأولى والثانية (115 و150 ليرة جديدة). لا تصلنا إلا كميات شحيحة من مازوت السعر القياسي بـ 175 ليرة جديدة (17,500 ليرة قديمة). يقف السائقون والأهالي في طوابير طويلة لساعات تحت الشمس والبرد أملاً في الحصول على لترات قليلة، ونضطر في كثير من الأحيان لإغلاق المضخات في وجوههم بعد نفاد الكمية الشحيحة”.
جودة سيئة وتكاليف عالية
لا تقف المعاناة عند حدود شحّ المازوت وارتفاع سعره، بل تتعدّاها إلى معضلة جودة المادة نفسها، إذ يتذمر الأهالي من انتشار المازوت المكرّر بدائياً والمتوفّر في السوق السوداء.
هذه المادة المحمّلة بالشوائب والماء ونسبة عالية من الكبريت تسبّبت في انسداد وتلف المدافئ المنزلية (الصوبيات)، إلى جانب انبعاث روائح قويّة ودخان أسود كثيف يملأ الغرف، ما ضاعف من حالات الاختناق والأمراض التنفسية بين الأطفال وكبار السن.
ومع استمرار الشلل في آليات التوزيع وتجاهل واقع أصحاب الدخل المحدود، تزداد خشية الأهالي في الحسكة من خوض شتاء قارس بلا أدنى متطلبات التدفئة، وسط مناشدات مستمرة لضرورة إيجاد حلول عاجلة تعيد ضبط الأسعار، وتأمين الحصص الأساسية للجميع.
