عبدالله الشعار
ربما لا نذهب إلى المسرح لنرى حكايات الآخرين فقط، بل لنصادف جزءاً من حكاياتنا التي لم نجد لها اسماً، أو تلك التي اعتقدنا أننا تجاوزناها، قبل أن تعيد إلينا إشارة عابرة أو حركة جسد أو جملة قيلت على الخشبة ما ظنناه قد ابتعد. ففي المسافة بين الممثل والشخصية، وبين ما يُقال وما يبقى عالقاً في الصمت، ثمة أشياء لا يشرحها المسرح بقدر ما يضعنا أمامها. وربما لهذا لا تنتهي بعض العروض حين ينطفئ الضوء، بل تبدأ بعدها، حين يعود كل منا إلى حكايته، محاولاً أن يرى فيها شيئاً لم يكن يراه من قبل.
يحاكي عرض «منمنمات» يوميات وأحداثاً عشناها ونعيشها كسوريين وسوريات منذ اندلاع ثورة الكرامة والحرية وحتى اليوم. تفاصيل وتجارب وصراع مع الهوية وإشكالات الانتماء، وأسئلة عن الاعتقال والاستلاب والهجرة والحب والانفصال والحريات الفردية.
قُدّم العمل في أماكن مختلفة في سوريا وانتقل من مسرح الحمراء في دمشق إلى المركز الثقافي في مدينة جرمانا, الى السينما في مدينة سلمية، وصولاً إلى المسرح في طرطوس. وشهدت العروض حضور فنانين ونقاد وأهالٍ ومهتمين، أعقبها نقاش حول الشخصيات والسرد المسرحي والرؤية الإخراجية، وحول هذا التنوع الذي بُني عليه العمل، انطلاقاً من حكايات أصحابها وتجاربهم.
“منمنمات” عمل مسرحي شاركت فيه مجموعة من الشباب والشابات المهتمين بالمسرح والرقص التعبيري والغناء. كتب المشاركون/ات نصوصهم انطلاقاً من تجاربهم وأفكارهم، ثم عملوا على تطويرها مع مدربي المشروع ومخرجيه، فرح الدبيات وساري مصطفى، بإدارة وتنسيق سماح عدوان، ممثلة مؤسسة «نيسان»، التي تولّت بالتعاون مع مؤسسة «سيناريو» إدارة المشروع في سوريا.
يندرج العمل ضمن مشروع «ويرحل ابن بطوطة»، الذي نُفّذ في خمس دول ارتحل إليها ابن بطوطة، الذي يُعدّ من أشهر الرحّالة الذين كتبوا في أدب الرحلة. وهذه الدول هي مصر والأردن ولبنان وفلسطين وسوريا. وقد عمل كل فريق في هذه الدول انطلاقاً من منظوره وتحليله لرحلات ابن بطوطة.
أما التجربة السورية فتشكّلت من حكايات المشاركين أنفسهم، ومن التفاصيل التي أرادوا نقلها إلى الخشبة، والتي تتقاطع مع موضوعات ارتبطت برحلات ابن بطوطة، مثل الهوية والانتماء والحدود الجغرافية والإنسانية، ومفهوم الرحلة عموماً، بمعناها الجغرافي أو الذاتي، في محاولة للاقتراب من واقعهم والأسئلة التي تشغلهم.

من التجربة الشخصية إلى الخشبة
في منمنمات لا تبدأ الحكايات من شخصيات بعيدة عن أصحابها، بل من تجارب حملها المشاركون معهم قبل أن تصبح مادة للعرض. بعضهم وجد في الكتابة وسيلة لإخراج ما ظلّ عالقاً في داخله، وبعضهم اقترب من شخصية تستعيد جانباً من حياته، فيما أتاحت التجربة لآخرين اختبار علاقتهم بالخوف والذاكرة والقدرة على التعبير أمام الجمهور.
تقدّم كيندا ستوت تجربتها من خلال سنوات طويلة من الخوف والغربة والفقد، وما رافقها من محاولات للسفر وتغيّر العلاقات وتشتت العائلة. لم تكن الكتابة بالنسبة إليها مجرد ترتيب للأفكار، بل محاولة لإخراج ما ظلّ في الداخل إلى مساحة يمكن رؤيتها ومشاركتها. ومن هنا جاء المونولوج الذي حمل شيئاً من حياتها وتجارب نساء تعرفهن، ومن الأسئلة التي بقيت مفتوحة أمامها.
تظهر في حكايتها مفارقة الاستمرار رغم كل ما يثقل الحياة. فثمة رغبة في أن تكون الأيام بسيطة، وأن يجد الإنسان مكاناً يستريح فيه، في مقابل واقع يدفعه إلى التفكير في كيفية النجاة ومواصلة الطريق. وقد ساعدها العمل على الاقتراب من تلك المرحلة من حياتها، لا من أجل محوها أو التظاهر بأنها انتهت، بل من أجل مواجهتها وإخراجها إلى العلن.
ولا تقف الحكاية عند حدود التجربة الفردية. فكيندا أرادت أن تصل معاناتها إلى أشخاص قد يعيشون في المكان نفسه، لكنهم لا يعرفون ما يمر به آخرون من خوف وفقد وتجارب قاسية. بالنسبة إليها لا يكفي أن تبقى الحكاية مكتوبة على الورق أو منشورة في وسائل التواصل؛ ثمة حاجة إلى أن تُروى أمام الناس، وأن تجد طريقها إلى من لم يسمعها من قبل.
وتختصر عبارة «وضعنا فاصلة ومضينا» جانباً من هذه التجربة؛ فالفاصلة هنا ليست نهاية الحكاية، بل علامة على الاستمرار، وعلى أن ما حدث لا يلغي بالضرورة إمكانية مواصلة الحياة، حتى حين لا تكون الطريق واضحة.
الذاكرة في مواجهة العزلة
في تجربة بشر اكريم، الذي يؤدي شخصية سعيد، تنتقل الحكاية إلى مساحة مختلفة، حيث الإعتقال والعزلة وما يتركه الإعتقال من آثار في الذاكرة والنفس. يعيش سعيد أيامه الأخيرة في عزلة قاسية، وتصبح التفاصيل الصغيرة، التي قد تبدو عادية خارج المعتقل محمّلة بمعانٍ أكبر من حجمها.
من بين هذه التفاصيل يبرز الجورب، بوصفه شيئاً يرتبط بالذاكرة وبما تبقّى للشخصية من صلتها بحياة خارج الجدران. لا يعود الأمر متعلقاً بغرض يومي فحسب، بل بما يستطيع الإنسان أن يتمسك به حين تتقلص حياته إلى مساحة ضيقة، وحين تصبح الذاكرة نفسها مهددة بالتلاشي.
تفتح هذه الشخصية سؤال الحرية من زاوية مختلفة: ماذا يبقى من الإنسان عندما يُحرم من أبسط شروط حياته، وعندما تصبح الأيام المتشابهة عبئاً على الذاكرة والقدرة على التمييز بين الماضي والحاضر؟ وكيف يمكن لتفصيل صغير أن يحمل أثراً من حياة كاملة؟
بين الاغتراب والنجاة.. عدالة يبدأها الإنسان من نفسه
عمل رضوان كريدي على شخصية تستعيد جوانب من حياته في سوريا، من صعوبة الظروف المعيشية إلى العمل والدراسة ومحاولات الهجرة بحثاً عن الأمان.
تتضمن الحكاية تجربة الخطف والاحتجاز والضرب، وصولاً إلى الحرمان من الطعام والماء. ويقول رضوان إن هناك تفاصيل أخرى ما زال يجد صعوبة في روايتها، وإن بعض ما تعرّض له كان أقسى مما يستطيع تقديمه على الخشبة.
من خلال المونولوج أراد رضوان أن يتحدث عن تجربته وما مرّ به، وعن إمكانية البدء من جديد وعدم البقاء في موقع الضحية. كما تحدث عن صعوبة استعادة بعض التفاصيل، وعن أثر تقديم حكايته أمام الجمهور.
وتحضر العدالة في حديثه بوصفها سؤالاً يومياً، لا مفهوماً بعيداً عن سلوك الناس. فإذا كانت الحياة لا تمنح الجميع حقوقهم بالضرورة، فإن الإنسان يستطيع أن يبدأ من نفسه، وألا يستخدم الواسطة، وألا يتجاوز الآخرين في الطوابير، وألا يلجأ إلى الرشوة للحصول على ما يريد. فالعدالة كما يطرحها، ليست مطلباً ننتظر من الآخرين تحقيقه فحسب، بل ممارسة تبدأ من سلوكنا اليومي.

حين يصبح المسرح مساحة للبوح
أما ندى شعبان فتؤدي شخصية فتاة في العشرينيات تتحدث عن مشكلاتها وهمومها. تنطلق الشخصية من تفاصيل تبدو قريبة من الحياة اليومية، لكنها تفتح المجال أمام الحديث عن مخاوف الشباب وما يشغلهم، وعن المسافة بين ما يعيشه الإنسان في داخله وما يستطيع قوله أمام الآخرين.
كانت التجربة بالنسبة إلى ندى خطوة جريئة، وبصمة شخصية في مسارها، خصوصاً أن الدور كان قريباً منها. وقد ارتبط العمل على المونولوج بما تحمله الشخصية من مشاعر، وبما يمكن أن يثيره التمرين والأداء من انفعالات. ولم يكن الوقوف أمام الجمهور مجرد إلقاء لنص محفوظ، بل محاولة لإيصال إحساس وتجربة عبر الصوت والحضور الجسدي.
وتقول ندى إن العمل الذي جمعها مع ضياء، انطلق من محاولة التعبير عن التعلّق والفقدان والخسارة والتشتّت، وأن هذه المحاولة قادتهما إلى أداء حركي راقص يرافق المونولوج. وتضيف أن التجربة جعلتها تدرك أن الألم ليس مجرد فكرة عقلية، بل طاقة حية تسكن خلايا الجسد، وأن لكل جسد لغته الخاصة التي قد تعبّر أحياناً أكثر مما تفعل الكلمات.
وتوضح أن العمل على الحركة جاء امتداداً للحالة النفسية التي أرادا التعبير عنها، بما تحمله من كتمان وقيود اجتماعية وخوف وتعلّق، فظهرت هذه الحالات من خلال حركات تعبّر عن الانكماش والتقييد.
بين الوجه الضاحك وما يخفيه
في تجربة رجا برجاس، يظهر التناقض بين الضحك والبكاء من خلال شخصية ترتبط بالوجه الضاحك للمسرح، في مقابل وجه آخر يبكي. لا تبدو هذه الثنائية مجرد مفارقة في الأداء، بل مدخلاً إلى التناقضات التي يعيشها الإنسان، وإلى المسافة بين الصورة التي يقدمها للآخرين وما يمكن أن يخفيه خلفها.
يتصل بالدور الذي هو المهرج، بنقد النفاق الاجتماعي، وبصعوبة الاحتفاظ بابتسامة دائمة في واقع لا يمنح الإنسان دائماً ما يدعوه إلى الفرح. فالضحك الذي يبدو على الوجه قد لا يعكس بالضرورة ما يجري في الداخل، كما أن البكاء ليس دائماً علامة ضعف، بل قد يكون الوجه الآخر لحكاية لا تجد طريقها إلى الكلام.
ومن خلال هذه الشخصية يضيف رجاً سؤالاً آخر إلى حكايات «منمنمات»: كم مرة نُظهر للآخرين وجهاً لا يشبه ما نعيشه في الداخل؟ وماذا تخفي الابتسامة حين تصبح واجباً اجتماعياً، أو وسيلة لإخفاء الألم؟ أسئلة تتركها الشخصية مفتوحة أمام الجمهور، وتمنح التناقض بين الضحك والبكاء معنى يتجاوز حدود الأداء، ليقترب من الطريقة التي يتعامل بها الناس مع مشاعرهم ومع الصور التي يرسمونها عن أنفسهم.
حكايات تبحث عن الأمان
وتقترب حكاية خضر كريدي من سؤال الأمان من خلال تجربة شخص يبيع بيته لتأمين ثمن الأدوية وجواز السفر، في محاولة للبحث عن طريق يتيح له الخروج من واقعه. في هذه الحكاية لا تبدو الهجرة مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل قراراً يرتبط بالحاجات الأساسية وبالقدرة على تأمين العلاج، وبالأمل في العثور على حياة أكثر استقراراً.
يحمل البيت هنا معنى يتجاوز كونه ملكية يمكن بيعها؛ فهو جزء من حياة يجري التخلي عنها لتأمين فرصة أخرى. وفي المقابل لا يضمن جواز السفر وحده الوصول إلى الأمان، بل يصبح خطوة ضمن طريق تحكمه ظروف كثيرة. ومن خلال هذه المفارقة، تتصل الحكاية بأسئلة الانتماء والاقتلاع والاختيارات التي يضطر الإنسان إلى اتخاذها حين تضيق أمامه الخيارات.
ويعتقد خضر أن الغربة لا ترتبط دائماً بمغادرة البلد. أحياناً يشعر الإنسان بالغربة وهو في وطنه، بل قد يشعر بها حتى عندما ينتقل من محافظة إلى أخرى. فالمسألة ليست في المسافة وحدها، وإنما في شعور الإنسان بالأمان والانتماء، وفي قدرته على أن يعيش حياة طبيعية بين أهله وناسه.

حين يصبح الحب المفقود صراعاً مع الوقت
في تجربة ضياء هشام منذر، يأخذ الفقد شكلاً آخر، من خلال شخصية عاشق يطارد حباً مبتوراً، ويجد نفسه عالقاً بين ما يتخيله وما يستطيع الوصول إليه في الواقع. هنا لا يبدو الحب حكاية منفصلة عن الظروف المحيطة به، بل تجربة تتقاطع مع الحرب والغربة والضياع، ومع إحساس الإنسان بأن شيئاً يفلت منه كلما حاول الإمساك به.
تتحرك الشخصية في مساحة من الالتباس بين الوهم والحقيقة، وبين الرغبة في الوصول والعجز عن بلوغ النهاية. ثمة ركض مستمر، لكن الوصول لا يأتي بالضرورة، وكأن الزمن يتحول إلى طرف آخر في الصراع؛ يضغط على الشخصية، ويجعلها تواجه ما فقدته وما لم تتمكن من استعادته. ومن خلال هذه الحركة، تتجاوز الحكاية حدود علاقة عاطفية لم تكتمل، لتقترب من تجربة أوسع يعيش فيها الإنسان بين ما يريد أن يكونه وما تسمح له ظروفه بأن يكون.
يكتسب الرقص في هذه التجربة أهمية خاصة، فلا يأتي بوصفه زينة بصرية تضاف إلى العرض، بل لغة درامية تحمل ما قد تعجز الكلمات عن قوله. فالجسد هنا يعبّر عن المطاردة والتردد والانتظار، وعن المسافة التي تتسع أحياناً بين الرغبة والواقع. وفي الحركة نفسها يمكن قراءة محاولة الشخصية للتمسك بشيء يتراجع باستمرار، أو للهروب من واقع لا تستطيع تغييره بسهولة.
الصوت الذي يرافق الحكاية
بالنسبة إلى مجد دبوس كانت المشاركة في منمنمات تجربته الأولى في الأداء على خشبة المسرح. جاء إلى العرض من خلفيته الموسيقية، لكنه وجد نفسه أمام تجربة مختلفة، لا يقتصر دوره فيها على الغناء بل يرتبط بالحكايات التي يقدمها المشاركون وبالحالات التي يعيشونها على الخشبة.
عمل مجد على اختيار النصوص والأغاني التي تتناسب مع المونولوجات، مستعيناً بقصائد لإيليا أبو ماضي وذكي ناصيف والشيخ إمام وابتهالات دينية, بحثاً عن صوت ينسجم مع كل حكاية. وكان يرى دوره بوصفه صوت الكاتب، أو اللحن الذي يأتي بعد الحكاية ليضيف إليها شيئاً من دون أن يطغى عليها.
وفي حديثه عن الموسيقى يتوقف مجد عند قدرة الصوت على تحريك الخيال؛ فالموسيقى وحدها يمكن أن تجعل المستمع يتخيل مشهداً كاملاً له بدايته ونهايته، حتى من دون وجود خشبة أو مكان محدد. وفي منمنمات تتداخل الأصوات مع الحركة والحكايات، لتصبح الموسيقى جزءاً من العرض لا مجرد فاصل بين مشهد وآخر.
حين تصبح التجربة الشخصية حكاية جيل
يرى عيسى الشريفي في تجربته ما يتجاوز حكايته الشخصية؛ فقد وجد فيها شيئاً يشبه تجربة جيل كامل أبعدته الحرب والقرارات التي لم يخترها عن أحلامه، وعن الأشخاص الذين أراد أن يبقى قريباً منهم.
في نصوصه التي كتبها لبعض أجزاء العمل، تحضر دمشق بوصفها مكاناً تتداخل فيه الذاكرة مع الحب والخسارة، وتبقى العودة إليها مرتبطة بأسئلة النجاة والحياة التي كان يتمنى أن يعيشها. لكن النجاة نفسها لا تأتي بلا خسائر، وهو ما يظهر في تساؤله: «أأقول لهم إن النجاة من الحرب هي من فرّقتنا؟»، وفي عبارته: «أنا لم أختر النجاة… كنت أريد الحياة بشيء من الأحلام، شيء من السعادة… وأنتِ».
ويوضح قائلاً أن النصوص التي كتبها في مصر، من دون أن يعرف بالضرورة أين ستصل، وجدت في «منمنمات» سياقاً جديداً، وأصبحت جزءاً من عمل تتجاور فيه حكايات الأفراد، من دون أن تفقد صلتها بالتجارب التي انطلقت منها.
العمل على الحكايات
لم يتشكل العرض من نص واحد جاهز جرى توزيعه على المشاركين، بل انطلق من نصوص كتبها الشباب والشابات من تجاربهم وأفكارهم، ثم عملوا على تطويرها مع مدربي المشروع ومخرجيه، فرح الدبيات وساري مصطفى.
لكن الانتقال من التجربة الشخصية إلى العرض المسرحي لا يعني نقل الحياة كما حدثت حرفياً. فثمة حاجة إلى اختيار التفاصيل وترتيبها، وإلى البحث عن طريقة تسمح بوصول الحكاية إلى الجمهور. ويظهر ذلك بوضوح في تجربة رضوان، الذي أوضح أن الأحداث التي استند إليها كانت حقيقية، لكن ترتيبها تغيّر بما يخدم المونولوج. كما تظهر في تجربة كيندا، التي تطورت علاقتها بالنص وبالأداء خلال العمل، وبقيت الحكاية مرتبطة بما تحمله من مشاعر وأسئلة.
هنا تبرز مسؤولية المخرجين في التعامل مع تجارب مختلفة، لكل منها حساسيتها وحدودها، وفي مساعدتها على الانتقال من الكلام الشخصي إلى صيغة مسرحية يستطيع الجمهور متابعتها.
يندرج العمل ضمن مشروع «ويرحل ابن بطوطة»، الذي نُفّذ في خمس دول ارتحل إليها ابن بطوطة، وهي مصر والأردن ولبنان وفلسطين وسوريا. وقد عمل كل فريق في هذه الدول انطلاقاً من منظوره وتحليله لرحلات ابن بطوطة.
وفي التجربة السورية عمل المشرفون والمدربون والمخرجان فرح الدبيات وساري مصطفى مع الشباب على مفاهيم مستوحاة من رحلة ابن بطوطة، ووجّهوهم نحو تطوير هذه المفاهيم انطلاقاً من تجاربهم وأفكارهم، لتكون منطلقاً لمشاريعهم ومونولوجاتهم المسرحية.
تشكّلت التجربة السورية من حكايات المشاركين أنفسهم، ومن التفاصيل التي أرادوا نقلها إلى الخشبة، والتي تتقاطع مع موضوعات الهوية والانتماء والحدود الجغرافية والإنسانية، ومفهوم الرحلة عموماً، بمعناها الجغرافي أو الذاتي، في محاولة للاقتراب من واقعهم والأسئلة التي تشغلهم.
مساحة للعمل المشترك
تروي سماح عدوان، الفنانة التشكيلية وعضو مؤسسة «نيسان» ومنسقة مشروع ابن بطوطة في سوريا، جانباً من الظروف التي رافقت العمل. فالمشروع احتاج إلى تنسيق بين المشاركين والمدربين والمخرجين، وإلى التعامل مع انسحابات حدثت خلال الطريق. كان العدد المطلوب للمشاركة ثمانية عشر شخصاً، فيما ضمت القائمة الأولية ثلاثة وعشرين اسماً، وهو ما جعل الحفاظ على المجموعة ومتابعة العمل معها جزءاً من التحديات التنظيمية.
كانت التدريبات تُعقد يوم الجمعة، وتمتد نحو خمس أو ست ساعات. ولم تكن هذه المواعيد منفصلة عن ظروف المشاركين؛ إذ كان على بعضهم التوفيق بين التدريب والعمل والدراسة وأعباء المواصلات. لذلك لم يقتصر سير المشروع على تطوير النصوص والأداء، بل تطلب أيضاً توفير مساحة يستطيع المشاركون العودة إليها والعمل فيها معاً.
وفي حديثها عن التجربة، تبرز أهمية بناء مساحة آمنة تسمح للمشاركين بالتعبير والتجريب، من خلال اللعب والغناء والرقص، ومن خلال التعامل مع مشاعر الفرح والحزن، وحتى مشاركة الطعام والاحتفال. كما ارتبط تنظيم العمل بالتعاون مع فرح الدبيات وساري مصطفى، وتحديد الأدوار والتعامل مع المخاطر التي قد تظهر خلال سير المشروع.
ما يبقى بعد العرض
تجمع منمنمات حكايات لا تتشابه في تفاصيلها، لكنها تلتقي عند أسئلة عن الذاكرة والخوف والحرية والانتماء، وعن قدرة الإنسان على الاستمرار بعد تجارب تغيّر علاقته بنفسه وبالعالم. من السجن والعزلة إلى الغربة والهجرة، ومن الخوف اليومي إلى التناقض بين الابتسامة والحزن، تتشكل صورة متعددة لا تدّعي تقديم حكاية سورية واحدة، بقدر ما تترك لكل تجربة مكانها وصوتها.
ولعل أهمية هذه الحكايات أنها لا تقدم أصحابها بوصفهم شهوداً على الماضي فقط، بل أشخاصاً يحاولون فهم ما عاشوه والتعبير عنه، والبحث عن لغة تتيح لهم مشاركته مع الآخرين. وفي هذه المسافة بين الحياة والأداء، لا يعود المسرح مجرد مكان تُروى فيه القصص، بل يصبح مساحة لاختبار ما يمكن قوله، وما يحتاج إلى وقت كي يُقال.
حين ينطفئ الضوء لا تنتهي بالضرورة الأسئلة التي حملتها الشخصيات إلى الخشبة. قد يعود المتفرج إلى بيته حاملاً تفصيلاً صغيراً أو جملة، أو صورة لم يكن قد انتبه إليها من قبل. وربما تكون هذه هي المسافة التي يتركها «منمنمات» وراءه: أن نرى في حكايات الآخرين شيئاً من حكاياتنا، وأن ندرك أن ما يبدو فردياً في لحظة ما قد يفتح باباً إلى تجربة أوسع، من دون أن يفقد خصوصيته أو حق صاحبه في روايتها بطريقته.
