FPN – سلام العبدلله وسما المحمد
تحوّلت عملية تبديل العملة في معظم المدن السورية من إجراء نقدي إلى أزمة يومية تمسّ أبسط تفاصيل حياة السكان، ففي الوقت الذي تسعى فيه الحكومة الانتقالية لسحب الأوراق النقدية القديمة وإدخال الأوراق الجديدة إلى التداول، يجد الآلاف أنفسهم عالقين بين مهل زمنية ضيقة، ومراكز تبديل محدودة، ونقص في السيولة، وأسواق ترفض التعامل بأوراق ما تزال بحوزتهم.
مركز وحيد في الحسكة
بين الأروقة المكتظة في المصرف الوحيد بالحسكة، وأزقة الأسواق التي تقفل أبوابها في وجه الأوراق النقدية القديمة، تعيش المدينة فصلاً جديداً من القلق المعيشي الحاد، ومع انتهاء المهلة المحددة لتبديل العملة واللجوء إلى تمديدها المتسارع، صارت جيوب الكادحين وأرزاقهم إلى حقل اختبار مفتوح للإرباك والعجز.
وسط مدينة الحسكة، وفي محيط المصرف التجاري، لا يمكن تجاهل حجم الفوضى العارمة، فلم تمضِ سوى أسابيع معدودة على افتتاح المركز المخصص لتبديل العملة، حتى تحوّل المكان إلى تجمّع بشري وطوابير لا تنتهي، وبالتوازي مع ذلك أصدر حاكم مصرف سوريا المركزي قراراً يقضي بتمديد مهلة تبديل العملة في المحافظات الشرقية (الحسكة، الرقة، ودير الزور) لغاية العشرين من آب الجاري.
مفارقة “شام كاش” في القامشلي
في القامشلي، يعاني السكان من إرباك مضاعف نتيجة عدم وجود أي مركز مباشر مخصص للتبديل داخل المدينة، ما يجبر المواطنين على تكبّد عناء السفر نحو مركز الحسكة الوحيد.
مصادر محلية من المدينة قالت لشبكة الصحافة الحرة إنّ العملة الجديدة لا تُسلّم نقداً، بل هناك آلية تتمثّل باستلام مركز البريد للعملة القديمة من المواطنين، وإرسال ما يقابلها كرصيد أو حساب إلكتروني عبر تطبيق “شام كاش”، وهو ما زاد من تعقيد المعاملات اليومية لشريحة واسعة من السكان غير القادرين على التعامل مع ذلك.
من جهة ثانية يرفض التجار وأصحاب المحال والشركات، وحتى البقالات الصغيرة، التعامل بالعملة القديمة من فئتي الألف والخمسمئة ليرة. هذا “التعنّت التجاري الفج” على حد تعبير أحد السكان، المتزامن مع شحّ السيولة البديلة، خلق شللاً شبه تام في حركة البيع والشراء.
معاناة يومية
“كل ما نريده تبديل أوراق تعبنا في جمعها، فنجد أنفسنا محاصرين بين طوابير لا تنتهي، وانقطاع مستمرّ للشبكة، ومركز وحيد يعاملنا كأننا نرتكب ذنباً”، تقول أم محمد (44 عاماً – ربة منزل من مدينة الحسكة). لم تستطع أم محمد وزوجها استبدال ما لديهم من عملة قديمة في المهلة المحددة، وبعد انتهاء المهلة وتمديدها لأيّام، عجزوا عن ذلك مرّة أخرى. تضيف: “كلّ يوم يمرّ ونحن نركض خلف فرصة لدخول المركز الوحيد لنستبدل ما تيسّر.. زوجي أمضى يومين كاملين واقفاً تحت الشمس أمام المصرف دون نتيجة تُذكر”. بحسب أم محمد، فإن عملية الاستبدال صعبة بسبب أعطال الشبكة وتدافع القادمين من كلّ البلدات، تتابع: “كيف نطالب بالاستقرار ونحن نعجز حتى عن إبدال ورقة نقدية بأخرى تقبلها الأسواق؟ البيوت خاوية، والأسواق تقفل أبوابها في وجوهنا وكأننا نتحمّل وزر قرارات إدارية عقيمة”.
كذلك يقف الشاب خالد (26 عاماً)، والذي يعمل في محل لبيع الأدوات المنزلية بمدينة القامشلي، شاهداً حياً على مفارقات هذا “الانهيار النقدي”. يقول بأسى شديد وهو يعرض أوراقاً نقدية أصبحت بلا قيمة: “تخيّلوا أنّ يوميّتي التي تبلغ 60 ألف ليرة، والتي أعود بها إلى بيتي بعد ساعات طويلة من العمل الشاق، أحياناً لا أستطيع أن أشتري بها حتى ربطة خبز”.
يوضح خالد أن السبب في ذلك يعود إلى كونه يتسلّم أجره غالباً بالعملة القديمة، ما يخلق مشكلة في تصريفها فيما بعد. “حين أتوجّه لشراء طعام لأطفالي يرفض صاحب البقالة أو المخبز أخذها”، والحجة دائماً أنّها فئات قديمة مرفوضة لعدم توفّر السيولة الورقية الجديدة، ويردف: “أصبحنا نمتلك أوراقاً في جيوبنا، لكنها لا تطعم جائعاً ولا تسدّ رمق عائلة، نحن نعيش كابوساً حقيقياً لا نعرف إلى أين سيأخذنا”.

فئات نقدية مفقودة في دمشق
في العاصمة دمشق، حيث انتهت مدة استبدال العملة بتاريخ 31 تموز، ليتم تمديدها بعد ذلك للاستبدال فقط عن طريق البنوك الحكومية والخاصة، اختفت بشكل عام العملة القديمة من الأسواق والتعاملات اليومية، لكن ظهرت مشكلة أخرى مرتبطة بغياب وجود فئة 500 ليرة سورية وقلة الأوراق النقدية من فئة 1000 ليرة، ما تسبب بضغوطات يومية على المواطنين والتجار، إذ أصبحت أسعار المواد التي تحتوي على كسور توقع الجميع في حيرة.
يقول يزن، (صاحب محل تجاري): في أغلب الوقت لا أملك أوراقاً من فئة الألف ليرة لإرجاعها للزبائن، وأصبحنا نضطر لأن نعطيهم بديلاً عنها، ما يسبّب لهم إزعاجاً في أوقات كثيرة، بالإضافة لغياب الأوراق من فئة 500 ليرة ما يجعل الأمر أكثر صعوبة”.
الباحث الاقتصادي مقدام البربور يرى أنه “لا توجد حتى الآن معلومات رسمية تفصيلية تشرح بدقة سبب نقص فئتي 500 و1000 ليرة الجديدة، لكن المشكلة تبدو ناتجة عن عدم التوازن بين سرعة سحب العملة القديمة وسرعة طباعة العملة الجديدة وتوزيعها بين المحافظات والمصارف والأسواق”.
يذهب البعض إلى أنّ حلّ مشكلة غياب الفئات الصغيرة من الممكن أن يدفع التجار لاعتماد أرقام محددة دون وجود كسور في أسعار المواد، وهذا قد يؤدّي لتغيّر في الأسعار، وغالباً سيكون لمصلحة التجار. أحد الزبائن أكد لشبكة الصحافة الحرة أنّ استبدال العملة أثّر بشكل كبير على حركة السوق، يقول: “هناك ارتفاع في الأسعار، بالإضافة إلى الخسارات في كلّ عملية شراء بسبب عدم توفّر الخمسمئة والألف ليرة”.
أزمة مركّبة
على الرغم من إعلان المصرف المركزي استبدال أكثر من 95% من الكتلة النقدية القديمة، فإنه أقرّ بأنه ما زال يقيّم احتياجات السوق من مختلف الفئات، وهذا يعني أن نجاح سحب العملة القديمة لا يثبت بالضرورة أن كميات العملة الجديدة وتوزيع فئاتها كانا كافيين. بالإضافة إلى ذلك فإن “ضعف القطاع المصرفي والاعتماد الكبير على الدفع النقدي يجعلان أي نقص في الأوراق أكثر وضوحاً”، بحسب البربور، وقد سبق للبنك الدولي أن وصف الوضع في سوريا بأنه أزمة سيولة حادّة مرتبطة بنقص الأوراق النقدية وتعطّل تداول العملة المحلية”.
في ذات الوقت انخفضت قيمة الليرة السورية في الأشهر الأخيرة، بالتوازي مع طرح العملة الجديدة، ويُرجع البربور ذلك لعدّة أسباب؛ منها زيادة الطلب على الدولار لتمويل الاستيراد، وضعف الإنتاج والصادرات، وارتفاع أسعار الوقود والغذاء المستورد، إلى جانب الفارق الكبير بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية، ويضيف: “ساهمت حالة عدم اليقين المرتبطة بانتهاء عملية استبدال العملة، ونقص بعض الفئات الجديدة، وغياب سياسة واضحة لسعر الصرف في زيادة المضاربة، ودفع التجار والمواطنين إلى الاحتفاظ بالدولار بدلاً من الليرة”.
نقص السيولة وغياب بعض الفئات يؤدي بالتبعية إلى إبطاء حركة البيع والشراء، وصعوبة دفع الرواتب وإعادة الباقي، وتراجع مبيعات بعض المتاجر، وقد يدفع المواطنين إلى استخدام الدولار أو اللجوء إلى الصرّافين والسوق غير الرسمية، كما قد يؤدي ذلك إلى “ظهور عمولات غير قانونية مقابل تأمين النقد، وازدياد الفجوة بين المناطق التي تتوافر فيها العملة والمناطق التي تعاني نقصاً فيها، وقد ظهرت بالفعل شكاوى من تعطّل المعاملات اليومية بسبب نقص فئتي 500 و1000 ليرة الجديدة ورفض العملة القديمة”.
من ناحية أخرى لا يعني نقص الأوراق النقدية وحده أن قيمة الليرة ستنخفض، “الخطر الأكبر يظهر إذا عولج النقص بطباعة كميات كبيرة من النقود من دون زيادة مقابلة في الإنتاج، لأن ذلك قد يؤدّي إلى التضخّم”، يقول البربور.
وفقاً لأحدث تقييم لصندوق النقد الدولي الصادر في الثالث من آب الجاري، يشهد الاقتصاد السوري تعافياً ونمواً متوقّعاً، لكن الفقر لا يزال واسعاً والتعافي غير متساوٍ بين المناطق، كما شدّد الصندوق على ضرورة اتّباع سياسة نقدية ومالية منضبطة وإعادة تأهيل القطاع المصرفي بصورة عاجلة.
في الوقت الراهن، وبينما تتواصل عملية تبديل العملة في مختلف المناطق، تكشف الفوضى المرتبطة بها عن تحديات تتجاوز مسألة استبدال الأوراق القديمة، لتطال السيولة والأسعار والقدرة الشرائية وثقة المواطنين بالعملة المحلية، ومع استمرار نقص بعض الفئات وتعقّد الوصول إلى النقد، تغدو الحاجة ملحّة إلى إدارة أكثر فاعلية للمرحلة الانتقالية، بما يضمن ألا يتحوّل الإصلاح النقدي إلى عبء إضافي يُلقى على كاهل السوريات/ين.
