قبل عام من اليوم بدأت قوات وزارتي الدفاع والداخلية في الحكومة الانتقالية بمساندة من أبناء العشائر دخولها إلى قرى الريفين الغربي والشمالي ومدينة السويداء، بدأ تقدم القوات في ساعات الفجر الأولى من يوم 14 تموز 2025، واستمرت المعارك لعدة أيام تخللها ارتكاب مجازر بحق المدنيين، وحرق وتخريب للمتلكات والمنازل، وما زالت المحافظة حتى اليوم بعد سنة من اقتحام القوات الحكومية لها تعيش حالة من الحصار وتتجلى آثار ما حدث بشكل واضح في حياة سكانها وأبنائها الذين يحملون ذاكرة ثقيلة للأيام الدامية، وأسئلة كثيرة حول التحولات التي شهدوها.
إخلال بالاتفاق وانتهاكات
دخول القوات الحكومية كانت قد سبقته اشتباكات مسلحة في حي “المقوس” في مدينة السويداء إثر اعتداء جماعات من البدو على تاجر ينتمي للطائفة الدرزية على طريق دمشق السويداء، بعد ذلك بدأت عمليات خطف متبادلة بين الطرفين تطورت لاشتباكات عنيفة، على خلفية ذلك أعلنت الحكومة الانتقالية نيتها التدخل لفض النزاع بعد موافقة مشايخ العقل بمن فيهم الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز، حكمت الهجري، بعد تقدم القوات بساعات بدأت تتوارد الأخبار عن جرائم قتل على الهوية وعمليات حرق ونهب للمنازل، ما دفع الهجري، لنقض الاتفاق ومطالبة الفصائل المحلية بالقتال دفاعاً عن المدينة، ومقاومة القوات الحكومية.
المعارك أسفرت حينها عن سقوط أكثر من 1700 مدنياً من أبناء المحافظة بالإضافة إلى تهجير أبناء القرى الشمالية والغربية من قراهم وتدمير منازلهم وحرقها، ما أدى إلى نزوح ما يقارب 190 ألف شخص.
بدأت الأحداث تتصاعد في 13 تموز 2025 بعد اندلاع الاشتباكات المسلحة في حي المقوس شرق مدينة السويداء. في اليوم التالي، الإثنين 14 تموز، فرضت السلطات حظر تجول شامل داخل المدينة، بعد إعلانها التدخل لفض النزاع وكانت قد بدأت بالدخول للقرى الغربية في ساعات الصباح الأولى و منها انتقلت إلى المدينة، حيث نشرت وحدات من الجيش وقوى الأمن في الشوارع، وفي يوم 15 تموز شنّت الفصائل المحلية الدرزية هجوماً مضاداً داخل المدينة، بالتزامن مع غارات جوية إسرائيلية استهدفت مقرات حكومية وأمنية، استمرت العملية العسكرية في السويداء لغاية يوم الأربعاء 17 تموز لتعلن القوات المهاجمة انسحابها مساءً من المدينة.
بالتزامن مع الحملة العسكرية على المدينة بدأت تنتشر مقاطع مصورة لانتهاكات ومجازر بحق المدنيين قامت بها القوات الحكومية في المدينة والقرى التي دخلت إليها، وفي اليوم التالي لانسحاب القوات الحكومية بدأت وسائل إعلامية رسمية وعربية تتحدث عن انتهاكات بحق “البدو” من قبل الفصائل الدرزية، أخبار هذه الانتهاكات بدأت تتزايد وتنتشر بشكل متسارع مع عملية تجييش ممنهجة وخطاب تحريض طائفي ما دفع أبناء العشائر في جميع المحافظات السورية لإعلان النفير العام (الفزعة) وبدأت أرتال مسلحة منهم بالتوجه للمحافظة للدفاع عن أبناء العشائر هناك، فيما بعد تبين أن غالبية المقاطع التي تصور الانتهاكات بحق “البدو” مفبركة وقديمة فيما تم التحقق من واحد منها يوثق قتل رجل وامرأة وطفل، لكن ذلك لم يوقف المعركة حيث استمرت الأرتال لأيام بالتوجه إلى السويداء لمقاتلة “الدروز” هناك لتستمر المعارك لأيام حتى 20 تموز حين تم الإعلان عن وقف إطلاق النار بضمانة بعض الدول.
الانتهاكات الميدانية
شهدت محافظة السويداء خلال تلك الفترة تصاعداً خطيراً في الانتهاكات الميدانية التي طالت المدنيين بشكل مباشر وغير مباشر، حيث تنوعت هذه الانتهاكات لتشمل أشكالاً متعددة من العنف الممنهج.
تضمنت الانتهاكات إعدامات جماعية وميدانية حيث تم توثيق حالات عديدة من إعدامات ميدانية نفذها مسلحون بحق مدنيين وعناصر من الأطراف المتنازعة، دون محاكمة أو إجراءات قانونية، في مشاهد مأساوية تم فيها قتل الضحايا على الهوية أو الطائفة، وهو ما عكس تصعيداً في استخدام العنف وانتقاماً طائفياً.
كما حدثت مجازر داخل المضافات والمنازل، حيث استهدف المسلحون تجمعات سكانية ومنازل خاصة خلال عمليات الاقتحام، وأثناء الأحداث تعرضت النساء لانتهاكات كبيرة بدءاً من التحرش الجنسي وانتهاء بالقتل، كما تم اختطاف ما يقارب 105 امرأة بحسب تقارير الأمم المتحدة.
كذلك تم ثوثيق عمليات حرق للجثث وتعذيب الضحايا، فلم تقتصر الانتهاكات على القتل فقط، بل تضمنت أعمال تعذيب وتنكيل بالجثث، حيث تم حرق بعض الجثث عمداً، وتشويه أخرى، ما عكس فقداناً تاماً لكرامة الإنسان حتى بعد الوفاة، وأظهر عمق الكراهية والتوتر الطائفي.
الآثار المستمرة للمجازر
بعد عام من المجازر التي شهدتها المحافظة تستمر آثار ذلك على الأهالي مع حالة من الاستعصاء السياسي، إذ تعيش المحافظة حالة من الحصار والعزلة مع تداعيات خطيرة لما شهدته من أحداث منذ تموز الفائت حتى اليوم، فما حدث تسبب بصعوبة حركة وتنقل السكان بالإضافة لمعاناتهم من انقطاع المواد الأساسية في الأشهر الأولى بعد المجزرة، والاعتداءات المستمرة التي تطال المدنيين على طريق دمشق السويداء.
حتى اللحظة تعيش المحافظة حالة من عدم الاستقرار وصعوبة المعيشة، حيث لم يستطع الاهالي العودة إلى منازلهم رغم مرور عام بسبب سيطرة القوات الحكومية على قراهم، كما تشهد المدينة وخاصة المحور الغربي منها اشتباكات عنيفة بين فترة وأخرى إثر اختراقات للهدنة الموقعة بين الطرفين.
من ناحية أخرى يعاني السكان من صعوبات المعيشة نظراً لتوقف معظم الأعمال، ويشمل ذلك الموظفون الذين لا يتلقون رواتبهم بشكل دوري، بالإضافة لعدم قدرة بعض الأهالي على الوصول لأراضيهم التي يعتمدون عليها في رزقهم، كما تعاني المرافق الطبية والقطاع الصحي بشكل عام لضغوطات وانقطاع لبعض الأدوية والمستلزمات الطبية.
قطاع التعليم كذلك الأمر لم يسلم من تداعيات أعمال العنف والاستعصاء السياسي في المحافظة، إذ حرم طلاب الشهادة الثانوية في العام الفائت من تقديم امتحاناتهم بسبب تزامنها مع دخول القوات للمحافظة، ورغم تقدمهم للامتحانات في وقت لاحق في شهر تشرين الثاني إلا أن وزارة التربية لم تعترف بشهاداتهم، كما حرم طلاب التاسع والثانوية هذا العام من تقديم امتحاناتهم بعد قرار وزارة التربية بنقل الامتحانات إلى محافظة دمشق وريفها، ما تسبب بعدم قدرة الطلاب على التقدم للامتحانات نظراً للمصاعب الامنية والاقتصادية المرتبطة بالتنقل.
بعد عام على وقوع المجازر في السويداء لا يزال السكان هناك يعانون من انعدام الأمان وصعوبة المعيشة، فيما يبدو أن آثار ما حدث أبعد من الحدث الأمني نفسه، حيث تجلت تلك الآثار في الحياة اليومية المعاشة والعلاقات بين السكان والحالة الاقتصادية والتعليم وغيرها، ورغم محاولات السكان التكيف ومواصلة حياتهم والتكيف مع الظروف، إلا أن هذه التداعيات المختلفة تحتاج إلى حلول حقيقة ومستدامة.
