لم تكن عمليات التهجير القسري التي طالت أهالي حيي القابون وبرزة مجرد محطات في سجل النزوح القسري الذي عرفته البلاد، بل كانت بمثابة الزلزال الذي ضرب استقرارهم الاجتماعي والاقتصادي، وبداية معركة وجودية طويلة الأمد.
فقد اصطدم العائدون والمطالبون بحقوقهم، بجدارٍ من القوانين والتشريعات التي صُممت في غفلة من أصحاب الشأن، لتشرعن الاستيلاء على الممتلكات وتطمس المعالم العقارية تحت ركام الحرب.
اليوم، ومع التغيرات العميقة التي تعيد رسم المشهد العام في سوريا وتراجع سطوة القبضة الأمنية التي كانت تحمي تلك الانتهاكات، تبرز قضية حقوق أهالي القابون وبرزة كملف حقوقي ووطني بامتياز.
الأمر ليس مجرد صراع على بضعة أمتار مربعة، بل هو نضال لاستعادة الهوية والمكان بعد سنوات من التغييب، ومع انفتاح الأفق نحو إمكانية المحاسبة والعدالة، تتعالى الأصوات المطالبة ليس فقط بوقف التجاوزات القانونية، بل بضرورة إلغاء القوانين المجحفة، وتفعيل آليات حقيقية لتوثيق الملكيات المتضررة، وضمان تعويض المتضررين تعويضاً عادلاً يعيد لهم جزءاً مما سلبته منهم سنوات الحرب والسياسات الإقصائية.
رحلة اللاعودة نحو الشمال
بدأت المأساة عقب حملة عسكرية هي الأعنف، استُخدمت فيها سياسة “الأرض المحروقة” والحصار الخانق لكسر إرادة الأحياء الشرقية للعاصمة.
حدث ذلك في أيار 2017، حين انطلقت الدفعة الأولى من مهجري حي برزة وضمّت نحو 1000 شخص، تبعتها دفعات متتالية باتجاه مدن الشمال (إدلب وجرابلس).
لم يمضِ أسبوع على ذلك، حتى بدأ تهجير أهالي حي القابون في منتصف الشهر ذاته، حيث خرجت قافلة ضمت أكثر من 2200 شخص (بينهم نحو 1200 مقاتل) بعد تدمير معظم البنية التحتية والأنفاق التي كانت شريان الحياة الوحيد.
كانت الوجهة هي الشمال السوري المزدحم بالنازحين، حيث استقر المهجرون في مخيمات أو منازل تعود لمهجرين آخرين، في دورة لا تنتهي من اللجوء الداخلي.
المخطط 104: الرصاصة الأخيرة في قلب الملكية
عقب تفريغ الحيين من سكانهما، لم يتوقف الاستهداف عند البعد العسكري، ففي عام 2019 صدر المخطط التنظيمي رقم (104) عن محافظة دمشق، والذي اعتبره قانونيون “رصاصة الرحمة” على حقوق الملكية.
قضى القرار بتحويل القابون من منطقة سكنية إلى “منطقة تجارية وصناعية وأبراج استثمارية”، ما أتاح للسلطات هدم الأبنية التي نجت من القصف تحت ذريعة إزالة الأنقاض، وتحويل حقوق الملكية إلى أسهم تنظيمية وهمية، مما عقّد فرص العودة التاريخية للسكان الأصليين.
لسنوات طويلة، تحولت القابون وبرزة إلى مربعات أمنية مغلقة تسيطر عليها أفرع المخابرات الجوية وأمن الدولة والشرطة العسكرية.
هذه المناطق التي كانت تعجُّ بالحياة أصبحت ثكنات ومراكز مبيت للميليشيات الموالية والقوات الرديفة، التي استوطنت منازل المدنيين، فيما بقيت مساحات واسعة منها محرمات أمنية يمنع حتى أصحابها من تفقد ركامها.
أصوات من تحت الردم
في جولة ميدانية لرصد واقع العائدين لتفقد أملاكهم في عام 2026، التقت “شبكة الصحافة الحرة” بعدد من الأهالي، تقول السيدة (ف. م)، التي وقفت أمام كومة من الحجارة كانت يوماً منزلاً يسكنه الدفء في القابون: “كان منزلي يتألف من طابقين، شيدناه حجراً فوق حجر. اليوم يخبرونني بدم بارد أن منزلي أصبح مجرد ‘أسهم’ في مشروع استثماري”.
لم يشارك أولاد هذه السيدة في الحرب ولم يحملوا السلاح يوماً، بنوا المنزل مع والدهم ثمّ هاجروا إلى الخارج قبل عام 2011 بسنوات بحثاً عن مستقبلهم، تضيف “ومع ذلك عوملنا كغرباء واعتُبرت أملاكنا غنائم حرب لميليشيات سكنت هنا لسنوات وعاثت في ذكرياتنا خراباً”.
السيد (أبو خالد)، ستيني من أهالي حي برزة، عاد إلى حيه هو أيضاً بعد طول انتظار ليجد منزله قد تحول إلى مستودع لميليشيات كانت تسيطر على المنطقة “لم أكن أتخيل يوماً أن أقف غريباً أمام عتبة داري التي لم تغب عن خيالي ليلة واحدة في غربتي القسرية في الشمال”. حين دخل أبو خالد الحي، لم ينصدم فقط بحجم الدمار، بل بحجم ‘الاستباحة’ “لقد قاموا بتغيير معالم الأرض، ودمجوا العقارات، وزوّروا قيوداً ليظهروا كأصحاب حق. المشكلة ليست في الحجر الذي هُدم، بل في محاولة محو ‘الذاكرة العقارية’ للحي”.
لدى أبو خالد رغبة وحيدة أن تعود ملكية أرضه وبيته له، يضيف مستغرباً من تدمير ذكرياته وتاريخه الشخصي وتحويل كل ذلك لأوراق “يسألونني اليوم عن الأسهم التنظيمية وكأن تاريخي وذكريات أولادي التي صُبّت في هذا البناء يمكن تحويلها إلى ورقة لا قيمة لها في دهاليز المحاكم” يتابع موضحاً موقفه مما يحدث ” أنا لا أبحث عن تعويض مالي؛ أنا أبحث عن اعتراف بأن هذه الأرض كانت لي، وأن هذا البيت لم يكن مجرد عقار، بل كان هوية عائلة سُرقت منها حياتها بجرة قلم وقوة السلاح”.
سوريا 2026: استحقاقات العدالة الانتقالية
مع سقوط نظام الأسد وسقوط المنظومة الأمنية وتفكيك المقرات التي كانت تُعرف بالثقوب السوداء، بدأت لجان شعبية وقانونية بمساعدة الأهالي على توثيق ملكياتهم استناداً إلى سجلات الطابو القديمة وخرائط المساحة، مع تجميد العمل بالمخطط 104 وكافة القرارات الصادرة في عهد السلطة السابقة.
إنّ ملف القابون وبرزة اليوم يمثل الاختبار الأكبر لمفهوم (العدالة الانتقالية) في سوريا، فبين الكشف عن المقابر الجماعية في محيط المقرات الأمنية، وبين معارك استرداد العقارات المنهوبة، يبقى السوريون متمسكين بحقهم في العودة الآمنة والكريمة، مؤكدين أن الجدران التي هُدمت والقرارات التي صُدرت لن تمحو هوية دمشق التي يسكنونها وتسكنهم.
