FPN – سما المحمد
“منذ صدور القرار نعيش ضغطاً نفسياً شديداً، فأي خطوة نتخذها تؤثر على مستقبل أبنائنا، لكن لن أرسل ابني لتقديم الامتحانات في دمشق وأعتقد أنه لا يواجه هذا المصير وحده”، تقول السيدة وداد، التي ترفض إرسال ابنها لإجراء الامتحانات رغم ما قد سببه هذا القرار من حزن للعائلة، كما تصف حالهم، فالجهد الذي بذله ابنها الأكبر لمدة عام قد يذهب سدى بسبب “قرار مجحف” بحق الطلاب، ولكنها تصرّ على أنه ليس الوحيد في هذا الظرف، معتبرة أن المجازفة بإرساله ليست سهلة.
يمكن القول إن غالبية الطلاب في محافظة السويداء وأهاليهم يشتركون في هذه الحيرة بعد أن مُنعوا من تقديم امتحاناتهم في محافظتهم وباتوا مجبرين على تقديمها في دمشق وريفها، وذلك بعد إصدار وزارة التربية قراراً خاصاً يقضي بإجراء الامتحانات لطلاب السويداء هذا العام في شهادتي التعليم الأساسي والثانوية العامة بفروعها كافة في محافظتي دمشق وريف دمشق.
القرار نصّ على توزيع الطلاب في محافظتي دمشق وريف دمشق “وفق الأصول المتبعة”، على أن يتم الإعلان عن المراكز قبل الامتحانات عبر المنصات والمعرفات الرسمية للوزارة.
تسبّب القرار بحالة من الغضب لدى الطلاب والأهالي، والأسباب كثيرة، فعدا عن المخاوف الأمنية المتعلقة بطريق دمشق – السويداء، يُشكّل هذا القرار عبئاً اقتصادياً ونفسياً، حيث سيضطر الطلاب للتنقّل بشكل يومي بين المحافظة وخارجها، ما يجعل التكاليف المادية أعلى، والضغط الذي يتعرّض له الطلاب أكبر.
القرار جاء بعد فترة من المفاوضات بين الوزارة والمديرية لإجراء الامتحانات داخل المحافظة، وقد تحدث مدير دائرة الامتحانات في السويداء، لقاء غانم، يوم الأربعاء الفائت، عن تلقيه رفضاً من الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية لإقامة الامتحانات في المحافظة، وبيّن غانم أن القرار جاء بشكل مفاجئ، مشيراً إلى أن “القيادات في السويداء كانت قد وجهت بالموافقة على أي شرط من شروط وزارة التربية والتعليم بما يخدم مصلحة الطلاب”.
غانم أضاف أن الشرط الأساسي كان دخول وفد وزاري للإشراف على الامتحانات من حملة الأسئلة والمندوبين الوزاريين، وتمت الموافقة على ذلك، لكن الوزارة تراجعت وعرضت عليهم خيارين؛ إما أن تكون الامتحانات في الريفين الغربي والشمالي من السويداء، أو في محافظة دمشق وريف دمشق، أي في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة الانتقالية.
كما أكد غانم أن هذا القرار يشكّل صعوبة وعائقاً أمام العملية الامتحانية، والقرار في ذلك يعود لأهالي الطلاب، ونفى بشكل قاطع أن تكون المديرية قد عرقلت نجاح العملية الامتحانية بخصوص ما يتم تداوله عن رفضها لشروط الوزارة.
القرار قوبل بالرفض من قبل الأهالي والطلاب في السويداء، واعتبروه عرقلة للعملية التعليمية وورقة ضغط تستخدمها الحكومة الانتقالية لأهداف سياسية.
المعلمة وعد (اسم مستعار) ذكرت لشبكة الصحافة الحرة أنه حتى اللحظة لا يوجد تصريح رسمي عن السبب وراء هذا القرار، تقول: “لماذا لا تجرى الامتحانات في المحافظة خاصة مع موافقة المديرية على كافة شروط الوزارة”، وأضافت أن الطلاب لم يسجلوا أصلاً خارج السويداء ولا يمكنهم الحصول على بطاقة امتحانية بسبب ذلك، ما يعني حرمانهم من الامتحانات.
يبلغ عدد الطلاب في السويداء الذين يشملهم القرار أكثر من 13500 طالب وطالبة، وغالبيتهم لا يمكنهم التنقل بشكل يومي إلى خارج المحافظة لتقديم الامتحانات والعودة، لا سيما في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية.
شبكة الصحافة الحرة تواصلت أيضاً مع مديرية التربية في السويداء، وتم التأكيد من قبل أحد الموظفين في المديرية على أن القرار أصبح الآن بيد الأهالي، وأن “المديرية قدمت كل ما يمكنها لتسهيل العملية الامتحانية”.
في الوقت ذاته يصرّ بعض الأهالي على عدم عرقلة مستقبل أبنائهم، حيث تستمر والدة أحد الطلاب بتسجيل ابنها في دورات لمتابعة التحضير للامتحان، دون أن تعرف إن كان سيتقدّم للامتحان أم لا، تقول “الآن من المهم أن يستمر الطلاب في التحضير لامتحاناتهم، وبعد ذلك سنرى ما يمكن أن يحدث”.
تشير المعلمة وعد إلى أن هذه المشاكل التي واجهت العملية التعليمية خلال العام الحالي والماضي تسببت برد فعل عكسي لدى الطلاب وأثّرت على موقفهم من التعليم ومدى جدوى الدراسة، “بعض الطلاب بدؤوا يفقدون الرغبة بالدراسة، معتبرين أن لا فائدة من ذلك إن لم يستطيعوا تقديم امتحاناتهم في النهاية”.
هذا وقد واجه قطاع التعليم في السويداء عدداً من المشاكل منذ العام الفائت أبرزها تأجيل الامتحانات للشهادة الثانوية بسبب دخول القوات الحكومية إلى المحافظة شهر تموز الفائت وما رافق ذلك من أعمال عنف وانتهاكات بحق المدنيين، وعلى الرغم من تنظيم المديرية دورة امتحانية خاصة للطلاب بعد ذلك، إلا أنّ الوزارة لم تعترف بالشهادات.
في السياق ذاته أصدرت الألية السورية للتحقيق بياناً عبّرت فيه عن قلقها من عدم السماح بإجراء الامتحانات داخل السويداء، وما يترتب على ذلك من حرمان الطلاب من حقهم الأساسي في التعليم، وأضاف البيان أن تعطيل الامتحانات أو ربط العملية التعليمية بالخلافات السياسية أو الأمنية يمثل انتهاكاً واضحاً للحق في التعليم المكفول بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واتفاقية حقوق الطفل.
كما أكدت الآلية أن استخدام التعليم كوسيلة ضغط أو عقاب جماعي بحق المدنيين يعد ممارسة مرفوضة قانونياً وأخلاقياً، وقد ترقى في حال ثبوت طابعها المنهجي أو التمييزي إلى انتهاكات جسيمة تستوجب المساءلة القانونية الدولية.
الألية السورية طالبت بضمان إقامة الامتحانات بشكل عاجل ودون عوائق، وتحييد ملف التعليم عن التجاذبات السياسية والأمنية، واحترام حق الطلاب في التعليم باعتباره حقاً أساسياً غير قابل للمساومة، واتخاذ حلول دائمة تضمن استقرار العملية التعليمية لجميع الطلاب في السويداء وسار المناطق السورية.
كما شددت على ضرورة تحييد الطلاب والمؤسسات التعليمية عن أي نزاع أو خلاف مهما كان طابعه، باعتبارر أن حماية العملية التعليمية مسؤولية مباشرة تقع على عاتق السلطة القائمة، التي تلتزم قانوناً بضمان استمرار التعليم وتسهيل وصول الطلاب إلى الامتحانات دون تمييز أو تقييد.
هذا وقد دعا ناشطون في السويداء الطلاب والمعلمين والأهالي للمشاركة في وقفة احتجاجية في ساحة الكرامة للمطالبة بحق الطلاب بتقديم امتحاناتهم تحت إشراف الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو بما يضمن سلامة الطلاب وحقهم في التعليم، حيث بات مصير آلاف الطلاب مجهولاً دون حلول تضمن حقهم في التعليم ومستقبلهم بعيداً عن الصراعات السياسية والأمنية.
