FPN – سما المحمد
أفرجت السلطات الإسرائيلية اليوم الأحد عن ثلاثة ناشطين من قرية مسعدة في الجولان بعد اعتقالهم يوم الخميس الفائت بسبب مشاركتهم في احتجاجات على مشروع “المراوح” أو ما يسمى محلياً بـ “توربينات الرياح التهجيري”.
المفرج عنهم هم، إميل حسين مسعود ومياد البطحيش وفهد الولي، وقد تم اعتقالهم نتيجة “تهديدهم لأشخاص مرتبطين بالمشروع والإضرار بالممتلكات خلال الاحتجاجات في شهر نيسان الماضي”. بحسب السلطات الإسرائيلية، وقد عقدت المحكمة جلسة في طبريا للنظر في طلب الشرطة تمديد الاعتقال لخمسة أيام، إلا أن القاضي قرر اعتقالهم ليومين فقط حتى اليوم الأحد.
يأتي ذلك في وقت تستمر فيه المواجهات بسبب المشروع الذي يهدد مساحات واسعة من الأراضي الزراعية لمحاصيل التفاح والكرز في ثلاثة قرى من الجولان، ومنذ الإعلان عن المشروع قبل سنوات يعيش الأهالي حالة من التوتر والخوف لما يشكله المشروع من خطر اقتصادي وسياسي وبيئي على المنطقة.
توربينات الرياح
يهدف المشروع إلى بناء توربينات بارتفاع 220 متراً على مساحة 3800 دونم من الأراضي الزراعية في قرى مسعدة ومجدل شمس وبقعاثا، حيث سيتم بناء من 21 إلى 32 توربينة في المرحلة الأولى لتوليد الكهرباء من طاقة الرياح، وتتولى تنفيذ المشروع شركة Enerjix الإسرائيلية للطاقة البديلة التي تعمل في الولايات المتحدة الأمريكية وبولندا وليتوانيا وإسرائيل.
بدأ التخطيط للمشروع عام 2008، وبعد اعتراضات قانونية ونقاشات امتدت لسنوات، صادقت عليه اللجنة الإسرائيلية الوطنية للتخطيط والبنى التحتية عام 2019، وفي كانون الثاني عام 2020 أقرت اللجنة الوزارية لقضايا التخطيط المشروع وأصبح القرار حكومياً في نفس الشهر. في العام 2023 بدأت الشركة بوضع الأساسات لتنفيذ المشروع ما تسبب بموجة احتجاجات واسعة في القرى الدرزية، حيث شهد شهر حزيران مقاومة من قبل الأهالي لمحاولات تنفيذ المشروع تطورت إلى مواجهات عنيفة بين الأهالي والشرطة، وامتدت إلى مناطق أخرى في الجليل، ما دفع الشركة إلى الإعلان عن تجميد المشروع.
في شهر تشرين الثاني من العام الفائت تجددت الاحتجاجات بعد إعلان الشركة عن استئناف العمل في بعض المواقع التي يستهدفها المشروع شرق “بركة رام”، وأدى ذلك إلى خروج الأهالي من مقام (أبي ذر الغفاري) في مظاهرات على الخيول وبالسيارات وقاموا بالتصدي للعمال وأجبروهم على الانسحاب، ورفضت الشرطة الإسرائيلية حينها توفير الحماية للشركة والعمال.
دعاوى شخصية بقصد الترهيب
يعيش الأهالي في هذه القرى توتراً مستمراً بسبب الخوف من إمكانية تنفيذ المشروع وما يترتب على ذلك من خسارة لأراضيهم بالإضافة للأضرار البيئية والصحية الكبيرة التي تنتج عنه، ووفقاً للناشط والإعلامي، نبيه الحلبي، فإن اعتقال الشبان حدث بعد أن قامت الشركة بتقديم شكوى للشرطة ضد المعتقلين، ويضيف: ” يقول “قدمت الشركة شكوى “تم اعتقال الشبان للتحقيق معهم بدعوى التعرض لعمال الشركة والتسبب بأضرار، وكانت قد حاولت الشركة عبر المقاول المتعاقد معها الدخول بالآليات إلى الأراضي المستهدفة إلا أن الأهالي قاموا بطردهم”.
بحسب الحلبي فإن الإدعاء الذي قدمته الشركة للشرطة باطل، إذ أن الشكوى قالت إن الشبان هددوا عمالها وسببوا ضرراً لها وهذا ادعاء غير صحيح، ويوضح: “في الوقت الذي تدخل فيه الشركة إلى الأراضي دون أن يعلم أصحابها، يتم اتخاذ القرار بشكل جماعي من القرى الأربعة، مجدل شمس ومسعدة وبقعاثا وعين قنية، ويتم الاجتماع في مقام اليعفوري “أبي ذر الغفاري” ويتحرك مئات الأشخاص باتجاه الأراضي”، ويبين أن هذا ينفي مسؤولية أي شخص أو جهة عما يحدث فالقرار جماعي وشعبي على مستوى واسع، ويضيف: ” اختيار ثلاثة أشخاص هدفه الردع ومنع الأهالي من مواجهة المشروع بالرفض، وتم استخدام هذا الأسلوب سابقاً بتقديم دعوى قضائية بحق خمسة شيوخ من الوجهاء على اعتبار أنهم محرّضين”، إلا أن المحكمة حكمت لصالح الشيوخ.
مواجهات بين الشركة والأهالي
على الرغم من الرفض المطلق من قبل أهالي الجولان لقيام المشروع، إلا أن الشركة مستمرة في محاولة تنفيذه، حيث قدّمت مؤخراً طلباً للجهات الحكومية لدخول أراضي المزارعين والبدء بالتنفيذ.
يقول الحلبي: “موقف الأهالي صلب وثابت في رفض ومقاومة مشروع المراوح، وقد تم إصدار بيان رفض واستنكار لاعتقال الناشطين الثلاثة، والتأكيد على الموقف الثابت لمنع إقامة المشروع حتى لو كلّف الرفض أغلى الأثمان”.
هذا وكانت الهيئة الدينية في الجولان قد أصدرت بياناً للتنديد باعتقال الشبان الثلاثة، مبينة أنهم وقعوا ضحية قمع غير مبرّر لمعارضتهم للمشروع الذي يشكّل تهديداً مباشراً للبيئة وصحة المواطنين والأرض، كما اعتبرت الهيئة الاعتقال استهدافاً لحقّ المجتمع في التعبير عن رفضه للمشاريع التي تؤذيه، وطالبت الجهات المعنية بالإفراج الفوري عن المعتقلين واحترام حقوق المواطنين في التعبير والمقاومة السلمية.
يعتبر أهالي الجولان أن المشروع يحمل أبعاداً سياسية واقتصادية خطيرة، خاصة مع استهدافه لمساحات واسعة من الأراضي وما يمكن أن يسببه ذلك من تهجير لأصحابها وإيقاف المصدر الوحيد لرزقهم. يقول الحلبي: “تأثيرات المشروع السياسية خطيرة، والسكان يعتبرون المشروع مقدمة للاستيلاء على الأراضي ومساحات جديدة من القرى”.
هذه المواجهة ليست الأولى بين الأهالي والسلطات الإسرائيلية، حيث يُعتبر هذا المشروع من التحديات التي تشغل أبناء الجولان وتجعلهم في حالة صدام دائم وتوترات أمنية مستمرة، يصف الحلبي ذلك بالقول: “ما يحدث ليس جديداً فمنذ أكثر من عشر سنوات والأهالي في حالة مواجهة دائمة، ولن يتغيّر موقفهم الرافض له، وقد استخدمت الشركة جميع الأساليب بما فيها القضاء وأجهزة الأمن والشرطة”.
تطورت المواجهات في أكثر من مرة لاشتباكات بين الطرفين، ففي المرة الأولى دخل خمسمئة شرطي وحدثت مواجهات واشتباكات داخل الأراضي بين المزارعين وقوات الأمن تسببت بوقوع إصابات، وفي المواجهة الثانية قبل ثلاث سنوات “دخل ما يقارب ألفي شرطي مسلح وواجههم السكان بقوة، واشترك دروز إسرائيل في هذه المواجهة” ما أسفر عن عن وقوع جرحى أيضاً، وبحسب الحلبي فإن المحاولتين لم تنجحا، وتبعتهما مفاوضات طلبها رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، لكنها لم تسفر عن شيء، فالشركة مصرّة على دخول الأراضي ولو بالقوة، وتعتمد في ذلك على وجود بعض الأشخاص المتعاقدين معها، ويوضح: “هناك بعض الأشخاص الذين وقّعوا عقود استئجار مع الشركة، إلا أن المعلومات تشير مؤخراً إلى قيامهم بفضّ العقود وتراجعهم عن ذلك إذ قرروا الوقوف مع أهاليهم”، لكن الشركة مستمرّة في محاولات الدخول للأراضي.
في الوقت ذاته يعتبر الأهالي دخول الشركة للأراضي وتثبيت المشروع بالقوة بداية تهجير و كارثة بيئية واقتصادية وصحية، ويبين الحلبي أن “مجتمع الجولان في القرى الأربعة سيواجه المشروع بالقوة، والعنف سيواجع بالعنف، ولن يُسمح بتنفيذه مهما كلّف الأمر”، ويشير إلى وجود أبحاث استناداً إلى وقائع ناتجة عن مشروع “تل الفرس” ومشروع “سهل المنصورة” تبيّن الأضرار الجسيمة لهذا النوع من المشاريع، حيث أصدرت سلطة حماية الطبيعة عدة تقارير تحدثت فيها عن حدوث كارثة بيئية من خلال قتل متكرر بشكل يومي للطيور والصقور والنسور وتهجير للنحل في المنطقة، عدا عن الضوضاء الناتجة عن المراوح والدمار الذي تخلفه على البيئة والإنسان.
أضرار المشروع
يتحدث الأهالي والناشطون عن مجموعة من الأضرار التي تنتج عن المشروع، أولها خسارة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، بالإضافة للتأثير الصحي، حيث تصدر توربينات الرياح ضجيجاً دائماً وذبذبات تؤثر على الصحة الجسدية والنفسية للسكان، خاصة مع قربها من المناطق السكنية وتأثير الظلال المتحركة، كما أن للمشروع تأثيرات بيئية واسعة وبشكل أساسي على الطيور المهاجرة والنحل والمواشي.
في العام 2020 أصدرت مجموعة من المنظمات بياناً صحفياً أوضحت فيه أضرار المشروع واعتبرته خطراً وجودياً على السكان السوريين في الجولان. البيان أشار إلى الآثار الخطيرة والمدمرة التي قد يسببها المشروع، من تدمير جزء هام من الاقتصاد الزراعي التقليدي المتمثّل بزراعة الأشجار المثمرة، والمخاطر التي يسببها للسكان من الضجيج والموجات تحت الصوتية والوميض، وتقييد التوسع العمراني للقرى المستهدفة في المشروع، ما يزيد من أزمة السكن التي يعاني منها أبناء الجولان، بالإضافة لتشويه المشهد الطبيعي في المنطقة.
