FPN
عُقدت يوم أمس الجلسة الأولى من محاكمة رموز النظام السابق في محكمة الجنايات بدمشق، وشملت الجلسة محاكمة غيابية لكل من بشار الأسد، ماهر الأسد، محمد عيوش، لؤي العلي، قصي أيوب، وفيق ناصر، طلال العيسمي، بالإضافة إلى عاطف نجيب حضورياً، وذلك بناءً على 45 ادعاء شخصي.
افتتحت الجلسة، التي جرت بحضور حقوقيين ومحاميين بالإضافة لذوي الضحايا، بمناداة المتهم الأول، بشار الأسد، ومن ثم عاطف نجيب الذي يحاكم حضورياً بعد أن تم اعتقاله في 31 كانون الثاني عام 2025.
المحاكمة، التي تم بثها عبر القنوات الرسمية وشارك في نقلها وتصويرها عدد من الصحفيين و”المؤثرين”، تسببت بردود أفعال مختلفة، حيث ذهب عدد من الحقوقيين السوريين إلى افتقادها لأدنى الشروط لتحقيق العدالة، كما انتقد البعض محاولات الصحفيين والمؤثرين التحدث مع المتهم والقاضي، والتعامل مع الجلسة كحالة للنقاش ونشر الآراء الشخصية من قبل أشخاص غير مختصين، بالإضافة لمحاولة تغليب المشهد والصورة على طبيعة الحدث القانونية وجديته، ما جعل المحاكمة “فارغة من المعنى” بحسب توصيف ناشطين وحقوقيين.
المدير التنفيذي لمنظمة ملفات قيصر لأجل العدالة، أسامة عثمان، وصف ما حدث بالمحاكمات الاستعراضية ومحاولة لتفريغ العدالة من مضمونها، وبيّن في منشور عبر منصة “فيسبوك” أن المحاكمة “دعاية سياسية تدار باسم العدالة ووسيلة لتمييع قضية بحجم تضحيات السوريين المستمرة حتى اليوم”.
كما اعتبر عثمان أن الانشغال بالنقد الشكلي للمحاكمات أخطر من المحاكمات نفسها، موضحاً أن قبولها بحجة النقد سيؤدي إلى الاعتراف الضمني بشرعيتها مع فقدانها للحد الأدنى من شروط العدالة.
عثمان تحدّث عن شروط العدالة الانتقالية من قضاء مستقل لا يخضع لتوجيه سياسي أو أمني، وقوانين تجرّم الجرائم الجسيمة كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وشمول سلسلة القيادة ونزع الحصانات عن كل منصب سياسي أو أمني أو عسكري سابق أو حالي، واعتبر أن هذه الشروط غير متوفرة في “المسرحيات القضائية التي تدار تحت غطاء السلطة الانتقالية”، مضيفاً أن هذه المحاكمات لن تغلق باب المحاسبة حتى مع تم تضخيمها إعلامياً ولن تمنع الملاحقات في أوروبا ضمن الولاية القضائية العالمية.
من جهته قال المختص بتوثيق جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان، ياسر شالتي، إن “هذه المحاكمة هي خيانة لمليون شهيد وتضييع لحق الضحايا”، مبيناً أن التهم المسندة إلى المتهمين تندرج حصراً ضمن قانون العقوبات العام، دون التطرق إلى توصيف الأفعال على أنها جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.
شالتي أثار – عبر حسابه على فيسبوك- تساؤلاً قانونياً حول التوقيت في تحريك الدعوى قبل إقرار تشريعات تتعلق بالعدالة الانتقالية، والتي تتيح توصيف الأفعال المرتكبة ضمن الجرائم الدولية الأشد خطورة، إذ يترتب على ذلك آثار قانونية مختلفة من حيث الاختصاص والوصف والعقوبات وإمكانية الملاحقة على المستوى الدولي.
كما أشار شالتي إلى أن أحد المبادئ الثابتة في القانون الجنائي عدم رجعية القوانين الجزائية الأشد، ما يؤدي في حال المباشرة بإجراءت المحاكمة وفق القوانين النافذة حالياً “إلى تعذّر تكييف الأفعال لاحقاً بموجب قوانين جديدة”، وخلص إلى أن هذا الإجراء يفضي إلى حصر نطاق الملاحقة ضمن الجرائم العادية ما يؤثر على تطبيق العدالة الانتقالية.
شالتي ناقش المحاكمة من الناحية القانونية من حيث نوع التهم المسندة في الحكم والذي يلعب دوراً رئيسياً في طلبات تسليم المتهمين دولياً، وأوضح أن توصيف الأفعال كجرائم حرب عادية ضمن قانون العقوبات الوطني يؤدي إلى خضوع طلب التسليم لشروط تقليدية مثل “مبدأ ازدواجية التجريم”، بمعنى أن تكون الأفعال مجرّمة في كل من الدول الطالبة والمطلوب منها التسليم، مضيفاً أنه من الممكن أن ترفض بعض الدول التسليم إذا اعتبرت أن التهم ذات طابع سياسي أو مرتبطة بنزاع داخلي.
أما في حال توصيف التهم كجرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية يختلف الوضع حيث تميل الدول للتعامل بمرونة أكبر من ناحية شروط التسليم أو تتم المحاكمة وفقاً لمبدأ الاختصاص العالمي.
كما بيّن أن الجرائم الدولية الكبرى لا تسقط بالتقادم بخلاف الجرائم العادية، ما يتيح إمكانية ملاحقة المتهمين وتقوية طلبات التسليم، بالإضافة لتأثير توصيف التهم على طبيعة مذكرات التوقيف الدولية، وأوضح أن “صدور أحكام أو البدء بمحاكمات بناء على جرائم عادية قد تستخدمه الدول لرفض التسليم استناداً إلى مبدأ عدم محاكمة الشخص مرتين على نفس الفعل”.
من جهته انتقد المحامي، عارف الشعال، وصف المحاكمة بالاستعراضية واعتبر ذلك انعكاساً لجهل بمفهوم العدالة واستخفافاً بأحد أهم ضماناتها. الشعال قال في منشور على “فيسبوك” إن “العلانية ركن جوهري من أركان المحاكمة العادلة وشرط لا غنى عنه لمراقبة نزاهة القضاء”، كما اعتبر أن حضور ذوي الضحايا ووسائل الإعلام والهيئات الحقوقية ضروري لغرض الشفافية ووضع الإجراءات القانونية تحت رقابة المجتمع.
الشعال تطرق للانتقادات حول وجود محام للدفاع مبيناً أنه لا يمكن الحديث عن محاكمة عادلة دون محام للدفاع “وهو تفصيل لا يمكن تجاوزه وغيابه كفيل بإبطال المحاكمة”.
هذا وقد حضر الجلسة ما يقارب 50 شخصاً من محافظة درعا بينهم 6 شبان تم اعتقالهم في شباط 2011، وشهد قصر العدل اعتراضاً من قبل معظم المتواجدين من ذوي الضحايا بسبب عدم قدرتهم على دخول قاعة المحكمة، والتواجد الكبير للصحفيين عوضاً عنهم.
يذكر أن الجلسة اقتصرت على إجراءات قانونية وإدارية خاصة بالتحضير للمحاكمة دون أن يتم استجواب عاطف نجيب، وتم تحديد يوم 10 آيار كموعد لانعقاد الجلسة القادمة.
