FPN – نور سليمان
أصبحت البسطات في شوارع دمشق مشهداً مألوفاً يعكس واقعاً اقتصادياً متدهوراً، تملأ الأرصفة، وتتنوّع بين بائعي الملابس المستعملة والمواد الغذائية، ومع انتشار البطالة والفقر، باتت هذه البسطات ملجأً لكثيرٍ من السوريين الباحثين عن مصدر رزق بعد أن فقدوا أعمالهم أو تعذّر عليهم إيجاد وظائف دائمة.
مع اشتداد الأزمة الاقتصادية، انتشرت البسطات بشكل غير مسبوق، وأصبحت تشغل أماكن لم تكن معروفة بها سابقاً، مثل مداخل الأحياء السكنية والأرصفة القريبة من الأسواق الكبرى. في الماضي، كانت هذه البسطات تخضع لنوع من التنظيم غير الرسمي، حيث يُطلب من أصحابها دفع مبالغ يومية (إتاوات) لضمان بقائها في أماكنها، سواء للشرطة أم شخصيات نافذة، لكن مع ارتفاع أعداد البسطات، فقدت السلطات السيطرة عليها، ما جعلها جزءاً من المشهد العام في دمشق.
سوق موازية بقوانين مختلفة
لا تقتصر البسطات على بيع الملابس المستعملة أو المواد الغذائية فحسب، بل باتت أيضاً وسيلة لتجارة الدخان المهرب، والإلكترونيات منخفضة الجودة، وأحياناً حتى الخدمات المالية غير النظامية مثل الصرافة.
أصحاب البسطات هم في الغالب أشخاص فقدوا وظائفهم بسبب توقف العديد من الشركات والمصانع، أو متقاعدون لم تعد رواتبهم تكفي لسدّ احتياجاتهم الأساسية. حتى طلاب الجامعات انضموا لهذا السوق بسبب ارتفاع تكاليف التعليم والمعيشة.
لكن العمل في البسطات لا يخلو من المخاطر، خاصة في ظلّ غياب قوة مركزية تضبط الأسواق، وقد تتحوّل إلى اقتصاد غير رسمي خاضع لقوى جديدة، مثل ميليشيات محلية أو تجار نفوذ، يتولون تنظيم الأسواق وتأمين الحماية للبائعين مقابل مبالغ نقدية، وعلى الرغم من ذلك يتعرّض أصحابها لمضايقات أو مصادرة بضائعهم، وإجبارهم على دفع مبالغ مالية لضمان بقائهم في أماكنهم.
يقول أحد أصحاب البسطات (رفض ذكر اسمه)، إنّ هناك أشخاص مجهولون يصادرون بضاعته بحجة أنها ستؤخذ للأيتام، هذا إلى جانب صعوبة تأمين أماكن ثابتة، حيث يضطر البعض إلى التنقّل المستمر خوفاً من حملات الإزالة التي تنفّذها جهات تقول إنها تابعة للمحافظة.
المواطن بين الحاجة والفوضى
من ناحية أخرى، يعتمد كثيرٌ من السوريين على البسطات لشراء احتياجاتهم بأسعار أرخص من المحال التجارية، ومع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، أصبحت البسطات ملاذاً للطبقة الفقيرة التي لم تعد تستطيع تحمّل تكلفة الشراء من المتاجر النظامية.
لكن في المقابل، هناك مخاوف من أنّ بعض السلع المباعة على البسطات غير مطابقة للمواصفات الصحية، خاصة المواد الغذائية التي تُعرض تحت أشعة الشمس دون رقابة، ما قد يشكّل خطراً على المستهلكين.
إلى أين تتجه الأمور؟
تعاني دمشق من فراغ قانوني، ما سيجعل من الصعب ضبط الأسواق أو فرض قوانين جديدة بسرعة. حتى لو حاولت أي حكومة جديدة فرض سيطرتها، فإن إعادة تنظيم الأسواق قد تستغرق سنوات، خاصة إذا لم تكن هناك مؤسسات قوية تدعم تنفيذ القوانين الجديدة.
يبدو أن إزالة البسطات ليس حلاً نهائيّاً للأزمة الاقتصادية، بل قد تزيد من تعقيدها عبر حرمان آلاف العائلات من مصدر دخلها الوحيد. في ظل غياب حلول حقيقية للبطالة وارتفاع الأسعار، ستظل هذه الظاهرة موجودة بأشكال مختلفة، سواء على الأرصفة أو في الأسواق الجانبية أو حتى عبر البيع المتنقّل، والأكيد أنّ انتشار البسطات في دمشق ليس مجرد مشكلة تنظيمية، بل هو انعكاس عميق للأزمة الاقتصادية التي تعصف بالسوريين يوماً بعد يوم.
مع غياب الدولة وأجهزتها الرقابية، ستفقد الأسواق أي ضوابط رسمية على الأسعار أو جودة المنتجات، ما يسمح بانتشار البسطات في كل زاوية وشارع. ستكون هذه البسطات المصدر الرئيس للبضائع، سواء كانت مهربة، أم مقلدة، أو حتى منتهية الصلاحية، دون أي إشراف صحي أو اقتصادي.
التجار الكبار، الذين كانوا في السابق يعملون عبر قنوات رسمية، قد يلجؤون أيضاً إلى استخدام البسطات كوسيلة لتصريف بضائعهم بعيداً عن أي نظام ضرايبي جديد قد يظهر خاصة بعد سقوط النظام. في الوقت ذاته، تحوّل العديد من العاملين في القطاعات المتضررة، مثل الموظفين المسرّحين وأصحاب المحال المغلقة، إلى العمل في هذه الأسواق العشوائية.
كذلك قد يتعذر على المحال التجارية التقليدية التنافس مع البسطات، نظراً لانخفاض تكاليف تشغيل الأخيرة، ما يؤدي إلى إغلاق المزيد من المتاجر النظامية. ونتيجة لذلك، قد تتحول الأسواق العشوائية إلى الشكل الأساسي للتجارة اليومية، حيث يعتمد المواطنون على هذه البسطات لتأمين احتياجاتهم بأسعار أقل مما كانت عليه في النظام الاقتصادي السابق.
هل يمكن تنظيم البسطات بعد الفوضى؟
في هذه الفترة الانتقالية، ستظل البسطات الحل الوحيد للكثيرين، سواء من البائعين الذين يعتمدون عليها لكسب العيش، أو من المواطنين الذين يجدون فيها السلع التي يحتاجونها بأسعار أقل من المتاجر التقليدية.
مع الوقت، قد تحاول أي سلطة جديدة فرض نظام اقتصادي أكثر استقراراً، ولكن نجاحها سيعتمد على مدى قدرتها على توفير بدائل حقيقية للبسطات، مثل الأسواق الشعبية المنظمة، أو دعم المشاريع الصغيرة، أو إعادة تشغيل المصانع والشركات التي تعطلت بسبب الأزمة.
لكن حتى ذلك الحين، ستبقى البسطات جزءاً أساسياً من الحياة اليومية في دمشق، سواء كظاهرة اقتصادية مؤقتة أو كواقع جديد يعكس التحولات التي مرت بها البلاد بعد سقوط النظام.
