ليلى جروج
نتساءل يوميّاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي: أين اختفت النساء؟ في كلّ اجتماع أو تعيين أو لقاء، نرى أن نسبة تمثيل النساء ضعيفة جدّاً مقارنة بالرجال، على الرغم من أنّهنّ في كلّ مكان من سوريا، بكلّ ما تعنيه الكلمة من معنى؛ نحن في كلّ مكان، لكنّنا لسنا على قائمة المدعوين.
فمثلاً؛ في كلّ صراع ذكوريّ يتعلّق بمنطقة معيّنة، أو خلاف بين شخصين، تحضر النساء في منتصف الحديث، ربّما كشتيمة، أو كطريقة لإسكات الطرف المقابل! في حوادث الاختطاف نلاحظ أنّ النساء هنّ المختطفات والمعتقلات والمغيّبات.
تُرفق المرأة بـ “كتالوغ” يتضمّن مجموعة من الصفات التي قد ترفع من نقاطها الاجتماعية بناءً على المنطقة التي تنحدر منها، كما أنّها تحمل صفة خارقة تمكّنها من الحضور ضمن أيّ حديث كمثال على أخلاق أو قلّة أخلاق عائلتها أو منطقتها أو مدينتها، وذلك بناءً على لباسها أو عملها.
خلافاً لضعف تمثيلها في “انتخابات” مجلس الشعب الأخيرة إلا أنّها تبدو صاحبة كلمة وتمثيل ضمن بيئتها ومنطقتها، بحسب طبيعة المتحدّث ودرجة توافقه مع هذه البيئة، فما عليه إلا أن يُقحم النساء وأشكالهن ولباسهن في الحديث، حتى يحصل على الدليل القاطع على صحّة كلامه، من قبيل “فلانة محجبة لا تمثّل هذه المنطقة، وفلانة ترتدي ملابس ضيّقة لا تمثّل تلك المنطقة”، وهكذا..
تأتي النساء إلى الحياة حاملات لحقيبة الأدوات والوسائل التي ستستخدم ضدّهن؛ أداة الملابس، أداة الشرف، أداة لون الشعر والمظهر الخارجي، أداة الزواج عن حبّ، أداة الزواج عن غير حبّ، أداة الإنجاب، أداة الأمومة، ومع الأسف في الحقيبة عشرات الأدوات لكنّ الدفاع عن الضحايا من النساء ليست إحداها.
هل من الصعب أن نفهم أن للنساء حقوقاً وعليهنّ واجبات مثل أيّ كائن آخر؟ هل من الممكن أن نتعامل مع المرأة كإنسان؟ ككيان حرّ؟ وهل مضغ العلكة يتطلّب كلّ هذه الضجّة؟ هل من الصعب أن نكون نحن كما نحن، دون تأويلات، ودون خصومات، ودون أبعاد سياسية، ودون استغلال لأشكالنا أو أفكارنا؟ هل من الصعب أن تُناقش المرأة بأفكارها دون رشقة عشوائية من الكلام المؤذي؟
نحن في كلّ مكان، النساء في سوريا في كلّ مكان، لكن أين نحن اليوم؟
في سوريا ناشطات من ذوات الإعاقة رفضن القوالب والوصمات الجاهزة، فهنّ يتعرّضن للوصم مرّتين، مرّة كونهنّ نساء، ومرّة لأنهنّ من ذوات الإعاقة، مع تشكيك دائم بقدرتهنّ على الزواج أو الأمومة، كما لا يسهم المجتمع، أو حتى الحكومات المتتالية في سوريا، في دعم الأشخاص ذوي الإعاقة، لا سيّما النساء اللواتي يحصلن على فرص ضعيفة جداً في العمل أو الحياة أو الدراسة، خاصّةً في المناطق الريفية.ترفع الناشطات ذوات الإعاقة أصواتهنّ عالياً، ويطالبنّ بالاستماع إلى أصواتهنّ في أحد أكثر القضايا تهميشاً وتعقيداً على الرغم من أنّها أكثرها طرحاً.
في سوريا خبيرات زراعيات يقدمنّ نصائح مجانية بطريقة بسيطة بهدف الحفاظ على القطاع الزراعي في البلاد من خلال التواصل مع فلاحي/ات البلاد بأبسط الطرق التي قد ترفع من قيمة إنتاجهم/ن الزراعيّ، وتبعد الأمراض والحشرات عن محاصيلهم/ن.
في سوريا ناشطات بيئيات ساهمن في وضع حجر الأساس لمؤسسات تهدف إلى زيادة الوعي بقضايا البيئة والتغيّر المناخي، وشاركن في أهم المؤتمرات البيئية على مستوى العالم، مؤتمر COP للمناخ، مع سعي دائم إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة، ودمج الشباب ضمن مجتمعاتهم.
في سوريا مؤسِّسات لمشاريع تُعنى بالاستمرارية والاستدامة، تسعى النساء من خلالها إلى دمج الأعمال البيئية بالجانب الخيريّ، عبر إطلاق مبادرات تهدف إلى جمع الأوراق وبيعها إلى مصانع إعادة التدوير. الفكرة بدأت صغيرة من حديث بين مجموعة من السيدات في دمشق، واليوم هو مشروع قائم ويسهم بشكل كبير في نشر ثقافة إعادة التدوير، وربطها بالأعمال الخيرية.
في سوريا نساء يعطفن على الحيوانات، شاركن مع فرقهن في أعمال المساندة لإخماد حرائق الساحل السوري التي اندلعت في تموز الماضي، وإجلاء الحيوانات الهاربة والخائفة من الحرائق، وتأمين الأكل والشرب والمأوى لها، عدا عن الاستعداد الدائم والاستجابة لوجود حيوانات مصابة أو دون مأوى طيلة أيّام السنة.
في سوريا مهندسات بيئيات يدرسن واقع أعمال الهدم والبناء في البلاد، يقيّمن المخاطر وتأثير الأنقاض والركام على حياة الناس والبيئة.
في سوريا فنّانات حاملات للتراث، يحافظن بأعمالهن البسيطة على فنّ قد يهدّد لاحقاً، وأخريات حملن قضايا البلاد والمجتمع كرسالة فنيّة سامية، وأخذن على عاتقهن تحويل الفن إلى أداة لحماية الذاكرة من التعفّن، ومن التطبيع مع القمع، ومن النسيان. نساء أُخريات اعتقلهنّ نظام الأسد وخرجن من البلاد وبعد سقوطه، حملن الفن الذي أنتجنه في الاغتراب إلى دمشق لتكون شاهدة على أصوات ذوي المغيّبين والمعتقلين.
كم نتمنى أن نحتفل بالنساء اليوم في سوريا عبر إطلاق شعارات جميلة عن آذار والمرأة والربيع والخصوبة والحب، لكن؛ في سوريا أيضاً مختطفات تنتظر عائلاتهنّ بعض التعاطف، أو على الأقلّ التوّقف عن إنكار اختطافهن، وأن تتحمّل الجهات الحكوميّة مسؤولية حماية جميع المواطنين/ات في سوريا.
في سوريا مغيّبات ومعتقلات ومهدَّدات ومعنَّفات، في سوريا عدالة معلّقة وخوف مستمرّ، في سوريا قتيلات، وشهيدات، والكثير من الخائفات!
ها نحن إذن في كلّ مكان، لكن كيف اختفينا هكذا؟
