FPN – سلام العبدلله
لم تكن النيران التي تصاعدت أعمدة دخانها من ريف دير الزور الشرقي مجرّد احتراق لمواد نفطية، بل كانت احتراقاً لآمال آلاف العائلات التي وجدت نفسها فجأة أمام جدار مسدود، فمنذ تسلم الحكومة الانتقالية زمام الأمور في المنطقة، بدأت ملامح أزمة اقتصادية ومعيشية تلوح في الأفق، توّجت بقرار مفاجئ يقضي بإيقاف “الحرّاقات البدائية”، وهي العصب المحرّك لاقتصاد المنطقة.
هذا القرار لم يمرّ بسلام، بل خلّف وراءه خسائر مادية هائلة، إذ يقدّر أصحاب الحرّاقات قيمة “الجورة” الواحدة التي تم إحراقها بنحو 10 آلاف دولار، في وقت كانت الحرّاقة الواحدة توفّر مصدر رزق لـ 32 عاملاً، وتنتج ما بين 250 إلى 300 برميل يومياً.
يروي لشبكة الصحافة الحرة، محمود الخليل، من قرية “جديد بكارة”، مأساة عائلته بمرارة، حيث باغتت دوريات تابعة للأمن العام المنطقة، وأقدمت دون سابق إنذار على إضرام النار في خزّانات المازوت. الخسائر لم تتوقّف عند المعدّات، بل امتدّت لتطال جيب المواطن البسيط؛ فبمجرّد بدء حملة الحرق، قفزت الأسعار إلى مستويات جنونية.
رصدت شبكة الصحافة الحرة انهياراً في القدرة الشرائية للأهالي بعد أن قفز سعر لتر المازوت من 4,300 ليرة إلى 10,000 ليرة، بينما ارتفع سعر لتر البنزين من 7,000 ليرة إلى 12,000 ليرة، في حين سُجّل فقدان تامّ لمادة الكاز من الأسواق، ما أدّى إلى شلل شبه كامل في حركة النقل والزراعة.
ازدواجية معايير
الغصّة التي يشعر بها أهالي دير الزور تنبع من الشعور بالاستهداف؛ فبينما تُحرق حرّاقات دير الزور وتتحوّل ممتلكات أهلها إلى حطام، لا تزال الحرّاقات في ريف حلب والشمال السوري تعمل بانتظام، ما يثير لديهم تساؤلات حول دوافع هذا “التمييز”.
حاتم المحمد الخلفان، أحد العاملين السابقين في الحرّاقات، يشرح لشبكة الصحافة الحرة كيف تحوّلت الوعود الحكومية بتنظيم العمل إلى “عملية سلب”؛ إذ قامت الدوريات بتعبئة سياراتها بالمازوت الجاهز من فراغات الحرّاقات، ثم أفرغت المتبقّي على الأرض وأشعلت فيه النار، وعندما حاول العمال العزّل الدفاع عن رزقهم، قوبلوا بالضرب والسبّ، في مشهد يعيد للأذهان سطوة القوّة على حساب القانون والكرامة الإنسانية.
هذا التخبّط الحكومي أدى إلى ضياع كميّات ضخمة من الوقود كانت كفيلة بسدّ حاجة المنطقة، ما جعل الأهالي يطالبون ببدائل فورية، فالحكومة التي ادّعت أن الإيقاف لأسباب تنظيمية، تركت النيران تشتعل لأيّام في “جديد بكارة” مسبّبةً تلوّثاً يفوق ما تنتجه الحرّاقات أثناء عملها.

انفجار شعبي؟
المطالب اليوم واضحة وهي: تأمين عمل بديل لآلاف العمّال الذين باتوا بلا دخل، وتعويض أصحاب الرساميل الذين فقدوا استثماراتهم بلمحة بصر، وضبط الأسعار التي تضاعفت بأرقام قياسية، وسط تحذيرات من أنّ الجوع والفقر هما أقصر الطرق للانفجار الشعبي.
اليوم، يقف عمّال الحرّاقات في العراء، يرقبون ألسنة اللهب التي تلتهم ما تبقّى من نفطهم، في ظلّ غياب أيّ خطة حكومية لاستيعاب هذه العمالة أو تأمين المحروقات بأسعار مدعومة، وواقع الحال يقول إن إيقاف مهنة يعتاش منها الآلاف دون تأمين بدائل هو بمثابة حكم بالإعدام جوعاً على آلاف الأسر.
الحكومة الانتقالية اليوم أمام اختبار حقيقي، فإما أن تتدارك الموقف بفتح قنوات حوار وتأمين تعويضات، أو أن هذه الحرائق التي أشعلتها في “الجور” قد تنتقل شراراتها لتشعل غضباً شعبياً لا يمكن احتواؤه في منطقة عانت الأمرّين عبر عقود من التهميش والإهمال.
