دلير يوسف
(تذكّروا أنّ هذا مقال رأي، أيّ أنّ هذا رأيّ الكاتب الذي قد يجانب الصواب).
نفترض أنّه، وعلى الغالب، لن تتحسّن الحياة في سوريا في حال تغيّرت السلطة الحالية، لا لأنّها سلطة مُنزَلة من السماء بل لأسباب متعلّقة ببنية المجتمعات والثقافات السورية، فلو استولت قوات سوريا الديمقراطية على السلطة اليوم، أو إن جاءت حكومة مُنتخبة، فسيبقى الحال على ما هو عليه، لأن الأساس الذي انبنت عليه الثقافة السورية هو العنف.
في أحد اللقاءات التي انعقدت في بدايات العام 2025 بين فاعلين/ات ثقافيين في العاصمة الألمانية برلين، تحدّث المفكر جاد الكريم الجباعي عن العنف وقسّمه إلى ثلاث طبقات، العنف الفردي الزائل، والعنف الفردي الجمعي، والعنف الهيكلي المؤسسي المرتبط بالسلطة.
هذه المقالة هي محاولة بسيطة لفهم العنف، ولإيجاد مخرج منه بعيداً عن تفسيرات الجباعي.
العنف كثقافة يومية
الأب يضرب زوجته وأولاده، الأم تضرب أولادها، الأولاد يتضاربون ويلعبون ألعاباً قتالية وفي الأعياد يشترون ألعاباً على أشكال أسلحة، المعلمون والمعلمات يضربون الطلاب والطالبات، المدير يستعبد موظفيه، رجال الأمن يعتدون على الناس ضرباً وشتماً، ونسبة ساحقة من السوريين والسوريات مستعدين/ات للدخول في عراك لفظي أو جسدي في أي لحظة، حتى وإن كانوا يسترخون على شاطئ بحر ما.
اليوم في سوريا، السلاح أكثر من الخبز، ويكاد لا يمرّ يوم دون وصول فيديوهات إلى وسائل التواصل الاجتماعي وهي تظهر القتل والاعتداءات والتمثيل بالجثث والرمي من الشرفات والهجوم بالسكاكين على أحياء يعيش فيها أبناء طائفة أخرى، وفي أحسن الحالات ضرب طلاب مدرسة أو ضرب طفل ما في البيت أو في الشارع أو خبر قتل بداعي الشرف.
هذا دون أن نتطرق للعنف اللفظي من شتائم متطايرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وتركيب صور إباحية لأشخاص نختلف معهم في الرأي ونشر الإشاعات، وغيرها من الأمور التي يعجز المرء عن حصرها.
ينتج كلُّ هذا العنف كلَّ هذا الكره الذي يغطي سوريا من جنوبها إلى شمالها، ولا تستثنى ملة أو جماعة أو طائفة أو قومية من ممارسة العنف وإنتاجه، وإن بدرجات متفاوتة، ولا أهمية لتفاوتها هنا.
العنف الهيكلي المؤسِس للسلطة
حسبما نعتقد، هو أشدّ أنواع العنف تعقيداً، لأنه مرتبط بالسلطة أولاً، ولأنه لا يتغيّر ولا يُزال إلا بتغيير العلاقات الاجتماعية بشكل جذري، أي الحاجة إلى عقد اجتماعي جديد بين مكونات المجتمع المختلفة، وهذا العقد لن يُصاغ إلا عن طريق الحوار.
يبدو أن الطريق في سوريا مسدود اليوم، لكننا نفترض أن أساس التغيير هو إعلاء قيمة الفرد على حساب قيمة العشيرة والجماعة والطائفة والقومية، وأن يكون الأفراد متساويين (ومتساويات) فعلاً أمام قانون مدني واحد.
لا نقول هنا أن نمحي الجماعة، بل نقول إن قيمة الفرد يجب أن لا تكون مرتبطة بجماعته.
يقول سوريون وسوريات بشكل دائم إن تاريخنا كلّه تاريخ عنف، لكن أيضاً تاريخنا تاريخ استبداد، ننتقل من واحد إلى آخر. لا أستطيع التفكير في سلطة واحدة مرّت على تاريخ سوريا (والمنطقة) لم تكن مستبدة ولم تستعمل العنف كجزء أساسي من أدواتها، وربما هذا يُفسر جزئياً عنف المجتمع، لكن في الوقت نفسه، يفكّر المرء بالعنف البعيد عن السلطة، أي حين يخرج الأفراد من تحت سطوة هذه السلطة، فيعيدون إنتاج العنف.
الاستبداد ينتج بشكل أساسي عن فئة صغيرة جداً من الناس، وفي أعلى الهرم رأس الاستبداد، شخص واحد يمثّل صورة هذه الفئة. تحيط هذه الفئة نفسها بجماعة أكبر تدين لها لها بالولاء، وتحيط بهذه الجماعة جماعة أكبر، وهكذا. لا جديد تحت الشمس، حدث هذا مئات المرات من قبل.
اليوم نرى شيئاً يشبه هذا يتشكّل، فبعد الخلاص من استبداد الأسد نهاية العام 2024، لدينا اليوم سلطة يجلس رأسها وحيداً في أعلى هرم السلطتين التنفيذية والتشريعية، دون وجود آليات للمحاسبة، محاطاً بفئة صغيرة (سياسية وليست طائفية وإن غلب عليها الطابع الطائفي)، وتحتكر هذه الفئة ومواليها الفضاء العام، ويتقاسمون المناصب على أساس الولاءات لا الكفاءات.
لكن هذا لا يعني إن استلمت جماعة أخرى الحكم في سوريا سيكون الوضع أفضل بكثير، بل في الغالب سيُعاد إنتاج نفس الآليات ونفس العنف.
نرى أنّ الحل هو الابتعاد عن العنف مهما كان الثمن وعلى كل المستويات (من القاعدة وحتى رأس الهرم، ومن رأس الهرم إلى القاعدة) وإعلاء قيمة الفرد، لأنّ قيمة الإنسان مرتبطة بوجوده فقط. علينا السعي دون هوادة نحو المواطنة المتساوية، هذا إن كنّا نريد سوريا واحدة تعطي حقوقاً لكل المواطنين والمواطنات دون النظر إلى خلفياتهم الدينية والعرقية والإثنية والجنسية.
نصيحة قد تنجينا
هل تريدون لأحفادكم ألا يُضرَبوا ولا يُهانوا ولا يُعذَّبوا ولا يُقتَلوا دون سبب؟ الحلّ سهل وبسيط: لا بدّ أن تُكسَر دائرة العنف الجارية في بلادنا.
كيف تساهم/ين في كسر دائرة العنف؟ ببساطة، لا تساهموا في العنف بشكل مباشر أو غير مباشر، لا تساهموا في تأجيج الناس، لا تساهموا في زيادة الخراب، لا تنقلوا أخباراً غير مؤكَّدة، لا تكونوا مستعدين لاستخدام العنف حلّاً للمشكلات، وخفّفوا من حساسياتكم تجاه طوائفكم أو قومياتكم أو مقدساتكم. فليس كلما شتم أحدٌ إلهكم أو قوميتكم أو طائفتكم تُقدِمون على ارتكاب مجزرة. لا طائل من هذا.
البلاد نصفها خراب، حرفياً خراب؛ فلا حجر على حجر في كثير من مناطق سوريا. الناس فقراء ولا يجدون ما يأكلون. السلاح منتشر أكثر من مياه الشرب. الجهل والأمية منتشران بشكل مخيف. لا مدارس منذ سنوات، ولا رعاية صحية. كلّ ذلك وصفة مجرَّبة ومضمونة للحروب والمجازر والقتل، فلا تُضيفوا خراباً إلى الخراب، ولا تكونوا جزءاً من هذه الدائرة.
وتذكّروا: إن كنتم اليوم في موقع قوة، فغداً قد تكونون في موقع ضعف، لأنّ «تلك الأيام نداولها بين الناس»، ولو دامت لغيركم لما وصلت إليكم. ولسنا أصحاب ذاكرة سمكة، فها نحن نرى كيف يتغيّر العالم أمام أعيننا.
لا تساهموا في العنف، ليس من أجل من تبغضونهم وتريدون قتلهم، بل من أجل أن لا يُذَلّ أولادكم وأحفادكم ولا يُهانوا ولا يُقتلوا على أيدي أحفاد من تُذِلّونهم وتهينونهم وتقتلونهم اليوم.
