FPN – ليلى جروج
تخصص الأمم المتحدة يوم الثالث من كانون الأول للأشخاص ذوي الإعاقة. هذا العام، يحمل اليوم الدولي عنوان “بناء مجتمعات تُدرج ذوي الإعاقة وتنهض بمسار التقدّم الاجتماعي”، وهو ما يشكّل أحد أهم أهداف المناصرة التي يسعى الناشطون/ات في هذا المجال لتحقيقه.
في سوريا، يحلّ اليوم الدولي على الأشخاص ذوي الإعاقة بطريقة مختلفة، فبعد أن أمضوا نحو عام -منذ سقوط نظام الأسد- في المناصرة والمطالبة بحقوقهم، وبعد مرور نصف عامٍ على تشكيل الحراك السوري لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، الذي عمل خلال الفترة الماضية على التواصل مع الجهات العاملة على الأرض من هيئات ووزارات لتقديم مطالبهم بصورة واضحة، يجب التساؤل عمّا تحقق من تلك المطالب حتى الآن؟
عام من التوعية وما زلنا بحاجة الكثير منها
تصف الناشطة والعاملة كمسؤولة للمناصرة، أميمة حامدي، واقع الأشخاص ذوي الإعاقة بالهشّ، خاصةً مع استمرار غياب السياسات الشاملة وضعف الوصول إلى الخدمات و”غياب الرؤية لدى الحكومة في بناء ملف الأشخاص ذوي الإعاقة”.
بالطبع، لا يمكن أن يتغيّر كل شيء بين ليلة وضحاها، فقد اعتمد النظام السابق نهجاً رعائياً وخيرياً تجاه الإعاقة، ما أدّى إلى تهميش أصحاب القضية، وغياب صوتهم في التشريع والسياسة، “وهو ما يتم العمل اليوم على تغييره بنهج تشاركي وحقوقي”، تقول أميمة التي ترى أن هذا كان نهج نظام الأسد مع كامل أفراد الشعب السوري، وكان للأشخاص ذوي الإعاقة الحصة الأكبر من التغييب، لعدم وجود سياسات داعمة.
أما بالنسبة للحكومة الحالية، وعلى الرغم من ضعف الالتزام تجاه هذه القضية، وغياب منهجية واضحة للعمل، لكنها تظهر اهتماماً تجاه هذا الملف، إلا أن الأشخاص ذوي الإعاقة ما زالوا ينتظرون النتائج على أرض الواقع.
لا يمكن تصنيف الطلبات والأولويات للأشخاص ذوي الإعاقة في خضم رحلة البحث عن حقوقهم، وعملهم على مناصرتها، على الأخص في بلد ممزّق يعاني من الفقر والحرب والنزاعات، التي تشكّل عوامل خصبة لارتفاع معدّل الانتهاكات، وضعف القدرة على المطالبة بالحقوق، لكن؛ بحسب الحامدي، فإن المطلب الأهم حالياً يتلخّص في تشكيل المجلس الوطني لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بقيادة الأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم وذويهم، لكي يكون جهة تنسيق مع الحكومة لتنفيذ الاتفاقية والقوانين، على أن يترافق ذلك مع السعي لاعتماد النهج الحقوقي رسمياً، والمطالبة بتمثيل ومشاركة فعالة للأشخاص ذوي الإعاقة في صناعة القرار، وتضيف الحامدي: “وأيضاً تضمين متطلبات التصميم الشامل وإمكانية الوصول في مشاريع إعادة الإعمار والترميم للبنى التحتية”.
قد تبدو الخطوات الأساسية لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة مكررة وبديهية، لكن لا بدّ من السعي لنشر الوعي المجتمعي، والمشاركة الحقيقية والفعّالة والتمثيل العادل، وتعديل وتطوير التشريعات، وضمان الوصول الكامل للخدمات.
“العمل على مقترحات تضمن بيئة عمرانية ومؤسساتية دامجة، تستند إلى الكود الهندسي للوصول، وتراعي التنقل والخدمات والتعليم والعمل” هو ما يسعى إليه الحراك السوري لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في إطار مسار إعادة الإعمار، بحسب الحامدي، كما تشمل مقترحات الحراك لدمج الأطفال والشباب من ذوي الإعاقة تعديل المناهج، وتدريب الكوادر التعليمية، وتوفير دعم متخصص. هذا من جهة، أما من جهة اللوجستيات فهي بالدرجة الأولى إزالة الحواجز البيئية، توضح الحامدي: “ولا بدّ من وجود تشريعات تضمن الحق بالتعليم الشامل”. ترى الحامدي أن المجتمع يخلط بين الشفقة والحقوق، لذا فحملات التوعية، وتجارب الدمج الناجحة، هي الوسائل التي من شأنها أن تضمن انتقالاً آمناً للدمج السليم، خصوصاً أن المجتمع متقبّل للدمج، لكن الأمر يحتاج وقتاً وجهداً لتثبيته.
تعديل دستوري وإحداث هيئة مستقلة
تندرج ضمن الإعلان الدستوري السوري مادتان في غاية الأهمية بحسب منسق الفرق، والعضو المؤسس في الحراك السوري لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، عبادة العاسمي، وهما المادة رقم 10 من الباب الأول التي تنصّ على تساوي جميع المواطنين أمام القانون في الحقوق والواجبات من دون تمييز بينهم في العرق أوالدين أو الجنس أو النسب. يقول العاسمي: “نسعى في هذه المادة إلى أنه عندما نتكلم عن المساواة بين جميع المواطنين دون أي تمييز، وعلى أي أساس، أن تُذكر صراحة كلمة الإعاقة” لتصبح المادة تنص على تساوي جميع المواطنين أمام القانون دون تمييز بينهم في العرق أو الدين أو الجنس أو النسب أو الإعاقة، كما يجب أن يتضمن الدستور عند الحديث عن الحقوق والحريات بنداً واضحاً أن الدولة تحمي حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في كافة مناحي الحياة وتعمل على ضمان دمجهم بالمجتمع.
من ناحية التطوير يقول العاسمي أنهم يسعون إلى تطوير المرسوم التشريعي رقم 19 الذي صدر عام 2024، لأنه خاص بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة لكنه يحتاج إلى إثراء، ومشاركة ذوي الإعاقة وذويهم في إعادة صياغته، “تمت صياغته في عهد النظام السابق دون مشاركة فعلية من الأشخاص ذوي الإعاقة فكانت النتيجة أنه لا يلبي التطلعات، ولا يتماشى مع كل ما ورد في الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي صادقت عليها سوريا عام 2009”.
يعمل الحراك السوري على ضمان تطبيق القوانين من خلال إلزام القانون نفسه لكافة الجهات التنفيذية بتطوير خطط تنفيذية للقانون، ووجود جسم ينسق مع الحكومة لتنفيذ القانون الخاص بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ووجود جهة مستقلة عن الحكومة وتتبع للدولة، ترصد التقدم المحرز في تطبيق وتنفيذ القوانين، وترصد الانتهاكات.
يكمل العاسمي: “مع وجود مساءلة ومحاسبة من قبل القضاء، ومن قبل مجلس الشعب للحكومة في حال ورد أي تقصير بتنفيذ القانون، أو أي انتهاكات قد يتعرض لها الأشخاص ذوي الإعاقة”، كما أن وجود جسم في المجتمع المدني كأداة ضغط رقابية على أداء الحكومة في تطبيق قانون الأشخاص ذوي الإعاقة، سيكون له مساهمة مع الحكومة بكل الإمكانيات والخبرات لتطبيق القانون بأفضل شكل ممكن، وبنفس الوقت يكون هذا الكيان له دور في الرقابة، ففي حال رصد أي حالة انتهاك يكون لديه تكتيكات ضاغطة للمطالبة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، دون نسيان السياسات، والبرامج، والشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص، لكن الأهم هي المشاركة الفعالة للأشخاص ذوي الإعاقة ليكن صوتهم مسموع، وأن تؤخذ آراؤهم على محمل الجد لأنهم الأدرى مع ذويهم بقضيتهم ومتطلباتهم وحقوقهم وكيفية تطبيقها على أرض الواقع.
يؤكد العاسمي على ما ذكرته أميمة الحامدي حول السعي لتشكيل مجلس وطني لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة كهيئة مستقلة، لكن ليس بموجب المرسوم التشريعي رقم 19 لعام 2024 الذي نص على تشكيل مجلس وطني، والذي يعتبر جهة تنسيق وطنية مع الحكومة بغاية متابعة تنفيذ الاتفاقية، وهو مطلب طالبت به الاتفاقية الدولية في المادة 33 التي تتحدث عن الرصد والتنفيذ على المستوى الوطني، فأي دولة طرف ومصادقة على الاتفاقية الدولية، مطالبة بأن يكون عندها جسم تنسيق داخل الحكومة. يقول العاسمي: “لا نريد أن يتم تأسيسه كما ورد في المرسوم التشريعي، لأنه طرحه بخلل في عملية التأسيس، ونحن نحمل رؤية ومقترحات لتأسيسه بشكل جيد وأداء بجودة تلبي التطلعات”، ويضيف أنه يجب أن يكون بقيادة الأشخاص ذوي الاعاقة وذويهم، من اهل الخبرة والكفاءة والاختصاص طبعاً.
آخر الأخبار الواردة من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تقول إنه تم رفع الطلب إلى رئاسة الجمهورية وتمت الموافقة عليه، وحالياً تجري مناقشته مع الأشخاص ذوي الإعاقة ومنظماتهم لمعرفة رؤيتهم حول تأسيس وتشكيل المجلس، لكن لم يصدر أي شيء رسمي بهذا الشأن حتى الآن.
حقوق النساء من ذوات الإعاقة
تعرّف أميمة الحامدي نفسها بأنها ناشطة في مجال الأشخاص ذوي الإعاقة، وعاملة في مجال المجتمع المدني كمسؤولة للمناصرة بمنظمة سند، “أيضاً أنا من السيدات ذوات الإعاقة، لدي إعاقة حركية أستخدم كرسياً متحرّكاً كهربائي”، مما يفتح باب التساؤل حول ما تصفه الحامدي نفسها بأكثر الملفات المهمشة والمعقدة بسبب تداخل عوامل الإعاقة مع النوع الاجتماعي في ظل بيئة اجتماعية واقتصادية غير مستقرة.
“تواجه النساء من ذوات الإعاقة وصمتين اجتماعيتين: كونهن نساء، ومن ذوي الإعاقة”، تقول الحامدي، إذ ينظر لهن غالباً بعين الشفقة أو كعبء مع تشكيك بقدرتهن على الزواج والأمومة أو المشاركة في الحياة العامة، كما تُغيّب أصواتهن في الإعلام والمجال العام، ونادراً ما يُسلط الضوء على حقوقهن أو إنجازاتهن.
ينعكس هذا الأمر على ما تواجهه النساء ذوات الإعاقة من انتهاكات واضحة لحقوقهن في التعليم والعمل والمشاركة العامة والحماية، حيث يحصلن على فرص ضعيفة جداً للتعليم خصوصاً في المناطق الريفية أو التي تعاني من النزاع، وعدم تكييف المناهج أو المرافق، وغياب الدعم في البيئة المدرسية.
كما يحصلن على فرص عمل محدودة جداً، في ظل غياب قوانين تحفّز على التوظيف العادل والدامج، تقول الحامدي: “وإن وجدت فرص تكون غالباً في إطار مبادرات قصيرة المدى، ويتعرضن خلالها للتمييز في بيئة العمل”.
من الغريب أن قضايا المرأة والإعاقة هي أكثر القضايا طرحاً ومناقشة، إلا أنه لا يتم إشراك النساء من ذوات الإعاقة في النقاشات حول هذه القضايا، مع تمثيل شبه منعدم في صنع القرارات. تضيف الحامدي: “كما أنهن الأكثر عرضة للعنف القائم على النوع الاجتماعي، مع عدم وجود آليات حماية كافية تأخذ احتياجاتهن بعين الاعتبار”.
