FPN – سما المحمد
شكّلت مرحلة ما بعد سقوط الأسد منعطفاً جديداً في حياة النساء من خلال إعادة ترسيم علاقات القوة والهيمنة وفرض رؤية مختلفة للنساء وحضورهن السياسي والاجتماعي، وتسبّبت التغييرات السياسية بشكل جديد من الهيمنة الذكورية التي ترى المرأة كموضوع يُختصر في الجسد ودلالاته وكيفية الهيمنة عليه.
بناءً على هذه النظرة للمرأة ككائن “ضعيف ومُستعبَد”، ظهرت ممارسات مختلفة من العنف تجاهها لأهداف متنوّعة، من بينها الضغط على بعض المجتمعات المحلية في محاولة لإخضاعها. من أبرز تلك الممارسات، التي ظهرت خلال السنة الأخيرة الخطف الممنهج على أساس طائفي، وهو ما تنكره السلطة بشكل كامل.
حملة أوقفوا خطف النساء
مؤخراً أُطلقت حملة “أوقفوا خطف النساء السوريات” بهدف كسر الصمت المحيط بهذا الملف، وعملت على توثيق ما يقارب 130 حالة خطف منذ شهر شباط حتى شهر كانون الأول من هذا العام، بما فيها من حالات خطف وإخفاء قسري لفتيات ونساء وأطفال في منطقة الساحل السوري ومدينة حمص وريفها الغربي، بالإضافة إلى محافظات حماة ودمشق وحلب. تُبيّن الحالات الموثقة استهدافاً ممنهجاً بطابع طائفي، إذ بلغ عدد المختطفات من الطائفة العلوية 115 حالة، مقابل 13 حالة فقط من طوائف أخرى (السنية والشيعية والمسيحية والإسماعيلية)، فضلاً عن توثيق اختطاف رضيعين مع والدتيهما.
الكاتبة والروائية النسوية والمتحدثة باسم الحملة، روزا ياسين حسن، أوضحت لشبكة الصحافة الحرة أن الحملة انطلقت قبل شهرين تقريباً، وتضم مجموعة من المتطوعات والمتطوعين “من منابت وخلفيات مختلفة اجتمعوا على فكرة واحدة وهي إعلاء الصوت وكسر الصمت ضد محاولات تمييع قضية الاختطاف في سوريا”، مشيرةً إلى أن الحملة تهدف إلى “الرد على تكذيب وتشويه وإنكاره عمليات الخطف في محاولة لدفع ملف المختطفات إلى الواجهة”.
بدأت عمليات الخطف في شهر شباط، ومن ثم ازدادت بشكل متزايد، وبحسب حسن “تتركّز عمليات الخطف بشكل رئيسي ضد النساء العلويات والدرزيات، وعموماً الأقليات بسبب استباحة مجتمعاتهن”، ووفقاً لنتائج عمل الحملة تتنوّع الدوافع وراء الخطف بين الانتقام الطائفي وطلب الفدية والاتجار بالبشر والتزويج القسري، كذلك بيّن تقرير صادر عن الحملة مؤخراً تعرّض النساء لاعتداءات جسدية ونفسية، فضلاً عن تعرّضهن للعنف الجنسي والحقن بمواد مخدرة، فيما لا تزال 36 مختطفة في عداد المفقودات.
آلية توثيق منهجية
اعتمدت الحملة في عملية التوثيق على مجموعة من الآليات التي تراعي “المعايير الدولية”، تقول حسن: ” المنهجية التي تعتمد عليها الحملة في التوثيق تتضمن أكثر من طريقة؛ منها المقابلات المباشرة مع الناجيات أو المقابلات غير مباشرة مع ذوي المختطفات، والتقارير الطبية بالإضافة لشهادات من العاملين في الشأن الإنساني والطبي”، كذلك يتم الاعتماد تعتمد على تقاطع البيانات، وتسجيلات كاميرات المراقبة، ومراقبة الأرقام التي تم التواصل من خلالها مع ذوي المختطفات. ويعتبر القائمون على هذا العمل أن التوثيق نوع من المقاومة لأن “توثيق الانتهاكات التي تحدث ودفعها للواجهة يضمن وجود وثائق تمكّن من محاسبة المتورطين”.
بحسب نتائج عمل الحملة، وُصفت الجرائم بأنها “ممنهجة سياسياً” وتطال مجتمعات كاملة، وتحديداً العلويين والدروز، تقول حسن: “في الواقع المجتمع بأكمله مستباح حالياً تحت ظل هذه الحكومة، لكن التركيز لأسباب كثيرة على العلويين والدروز”، لافتةً إلى أن عمليات الخطف تعتبر من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وتفضي إلى تقديم كل المتورطين والمشاركين والمتسترين والفاعلين والمسهّلين لهذه العمليات إلى المحكمة الجنائية الدولية، لهذا يُعتبر التوثيق مهماً جداً، بحسب حسن، وتردف: “جزء كبير منا وثّق الجرائم أيام النظام السابق، ومازلنا مستمرين لتوثيق جميع الانتهاكات في حق أي إنسان، أينما كان ومهما كانت طائفته.. ونعتبر هذا جزءاً من واجبنا الأخلاقي والسياسي والوطني”.
تأثير الخطف على حياة النساء والموقف الحكومي
تسبّبت التغيرات السياسية بخلخلة البنية الاجتماعية في سوريا، وأثّر ذلك بشكل رئيسي على النساء، إذ أصبح تواجدهن في الفضاء العام مهدداً، وفي الوقت الذي يتناقص فيه هذا التواجد بسبب التهديدات الأمنية، يمكن اعتبار حالات الخطف أحد أسباب هذا الانكفاء. تقول روزا ياسين حسن: “عمليات الخطف تزيد من إقصاء النساء من الفضاء العام، وتبيّن التوثيقات التي أجرتها الحملة أن معظم عمليات الخطف حدثت في وضح النهار في الأسواق العامة والكراجات وأثناء توجّه النساء إلى أشغالهن أو التلميذات إلى المدارس والطالبات إلى الجامعات”، أي أنّه يتم اختطاف النساء أثناء قيامهن بممارسة تفاصيل حياتهن اليومية وعلى عيون الأشهاد ودون محاسبة.
شكلّت الحكومة الانتقالية لجنة للتحقيق في حالات الخطف، وأعلنت عن نتائج التحقيقات مطلع شهر تشرين الثاني الفائت، ونفت الحكومة في نتائج تحقيقاتها وجود حالات خطف، باستثناء حالة واحدة، على الرغم من أن منظمة العفو الدولية أصدرت تقريراً في نهاية شهر تموز تبيّن فيه تلقيها تقارير عن اختطاف ما يقارب 38 امرأة وفتاة علويات.
تعتبر حملة “أوقفوا خطف النساء” أن الحكومة شريكة في عمليات الخطف والتستر على المتورطين. توضح حسن: “اللجنة التي شكّلتها الحكومة الانتقالية اتهمت المختطفات، خصوصاً العلويات، بأخلاقهن الاجتماعية والتزامهن تجاه عوائلهن، وقالت إنهن هربن لأسباب اقتصادية أو اجتماعية”، وترى أن التقرير الصادر عن اللجنة كان مهيناً للغاية، لذلك، بحسب حسن، لا يمكن التواصل مع الحكومة أنها “مشاركة بشكل مباشر وغير مباشر، فخطابها واضح في تكذيب وتمييع القضية والطعن بأخلاق الضحايا بدل أن تحاول الاقتصاص من الجناة والمجرمين”.
حتى اليوم، ما يزال مصير أكثر من ربع المختطفات مجهولاً، وفقاً لأرقام الحملة، علماً أن ربع المختطفات هن من القاصرات، فيما بلغت نسبة المتزوجات والأمهات نحو 30% من الحالات الموثقة.
كما اتهمت المتحدثة باسم الحملة الحكومة الانتقالية بإنكار عمليات الخطف لتبرئة نفسها، نظراً لمشاركة عناصر من قوات الأمن العام والفصائل التابعة لوزارة الدفاع في بعض الحالات، كما أنها “سهّلت بشكل غير مباشر عمليات الاختطاف ولم تلاحق الجناة والمتورطين وتنتهج سياسة الإفلات من العقاب عبر التكذيب والتبرير وشيطنة سرديات الضحايا”، فضلاً عن التهديدات التي تلقّتها عائلات المختطفات من أجل عدم التحدّث عن حالات الخطف أو النشر عنها في وسائل التواصل الاجتماعي.
تقول حسن لشبكة الصحافة الحرة إن “ملف الاختطاف هو من أخطر الملفات، لأن آثاره لا تقتصر على النساء المختطفات والناجيات فقط، وإنما تتعداها لتؤثر على العائلات والمجتمعات المحلية، وتشدد على أن “العمل على هذا الملف هو من أهم الاستحقاقات الوطنية لأن الأمر يتعلق بالروابط بين المكونات السورية، وإهماله أو إنكاره سيؤدي إلى نتائج كارثية”.
