FPN – ليلى جروج
أعلنت إدارة الأمن العام مؤخراً، عبر قناة محافظة حماة على تطبيق “تيليغرام”، عن إلقاء القبض على أفراد فريق تطوعيّ مزيّف في حماة، ادّعوا تقديم دورات مجانيّة في الدّعم النفسيّ والإسعافات الأوليّة بمدينة محردة وقرية شيزر، وكان يزعم الفريق أنه مُرسل من قبل مديرية التنمية بالتعاون مع وزارة التعليم العالي.
هذه الحادثة، التي وقعت في محردة، لم تكن الأولى من نوعها، إذ تكرّرت في الآونة الأخيرة حالات انتحال الشخصيّة في سوريا عموماً، وعلى الرّغم من أنها كانت موجودة قبل سقوط نظام الأسد، إلّا أنها طفت على سطح الأحداث الجارية في البلاد.
لماذا يسقط البعض في هذا “الفخ”؟
عن أسباب وقوع بعض النّاس في فخّ الانتحال على الرّغم من وجود منظّمات وجمعيّات عاملة سابقاً في محردة، والمجتمع ليس بعيداً عن آلية عملها، تعبّر إحدى المشاركات في ورشة العمل الّتي أقامها الفريق التطوعيّ المزوّر، الآنسة مارينا حكيميان، عن هذه الحالة بوصفها بالغموض، وتضيف في حديث لبكة الصحافة الحرة أن “الحديث ومحاور الورشة كانا ممتعين جداً، لكن لم يقدّم المدرّبَين أي إثبات على صدق هويّتهما، أو أنهما يعملان حقّاً مع منظّمة أمل للإغاثة والتّنمية، واكتفى أحدهما بعرض “لقطة شاشة” لشكر إحدى الصفحات المحليّة عبر تطبيق فيسبوك على دورة أقامها لأهل قرية في ريف مدينة حلب، وهو أمر مثير للرّيبة.”

وحول وقوع النّاس في فخّ الانتحال، لا يعتقد أحد المشاركين في الورشة، السّيّد أسعد الحج، أنهم وقعوا في فخّ الانتحال، فحالة عدم الوضوح هذه دفعته إلى التواصل مع منظّمة أمل للإغاثة والتنميّة (الحقيقيّة) للاستفسار عن عملها ومناطق انتشارها، فكان ردّ المنظّمة بأن إدلب هي منطقة عملهم الوحيدة حالياً، ثم نشرت منشوراً عبر صفحتها الرسميّة على موقع “فيسبوك” تحذّر خلاله من الأخبار الكاذبة والأشخاص الّذين يدّعون الانتماء إلى المنظّمة، وخصّوا بالذكر الأشخاص الّذين يطلبون من النّاس دفع المال مقابل خدماتهم، وتؤكد مارينا حكيميان أن عملية البحث هذه أنقذت الناس من خسارة ماليّة محقّقة.

أما عن سبب ذهاب الناس لحضور الورشة وتصديق هذا النوع من الادّعاءات، يقول الحجّ لشبكة الصحافة الحرة: “الناس تعيش في ضيقة ماليّة، ويسعون إلى تأمين فرص عمل على الأقل ذات مدخول جيّد خصوصاً بعد مرحلة التخرّج”، وتؤكد على كلامه إحدى المشاركات (طلبت عدم ذكر اسمها) إذ تجد أن النّاس تلهّفت لحضور الورشة لأن عمل المنظّمات اليوم ذا سمعة جيّدة من حيث قيمة الرواتب، فكان الأمل بالحصول على فرصة عمل بمدخول جيّد، وإذا لم نحصل عليها، فلا بأس بالحصول على شهادة يمكن الاستفادة منها لاحقاً، لكننا لم نحصل على شيء!
خطوات بسيطة لكنها مفيدة في وضع حدٍّ للمنتحلين
انتحال صفة فريق تطوعيّ حالة غريبة بالنسبة إلى المنطقة، لأن “النصّاب” غالباً ما يختار صفة أمنيّة ينتحل شخصيتها ويحمل سلاحاً ويهدّد النّاس ويطالبهم بمنحه المال أو الممتلكات الثمينة. يضيف أسعد الحج أن الجمعيات اليوم تحمل تراخيص أولاً، وكل منهم لديه صفحة على مواقع التواصل الاجتماعيّ المُختلفة، وفي حال عدم وجود الترخيص أو الموقع فببساطة يمكن أن نعود إلى الطريقة التقليديّة بالسؤال بين النّاس عن اسم الجمعيّة أو المنظّمة، أو السؤال عن اسم الشخص في منطقته، كما شجّعت إحدى المشاركات (طلبت عدم ذكر اسمها) على طلب المساعدة من قوّات الأمن العام في حال الشكّ بأن هنالك عمليّة احتيال مُحتملة، فاللجوء إليهم هو الحلّ الأمثل، واستجابتهم في هذه الحالة تركت أثراً إيجابيّاً عند أغلب النّاس، وأنقذت الموقف.

هل سيتأثر عمل المجتمع المدنيّ بعمليات التزوير؟
يسهل التعرُّف على المنظّمات الدوليّة العاملة على الأرض، بدءاً من اللباس الخاصّ بهم والسّيّارات التي تحمل شعاراتهم، وصولاً إلى وجودهم مع وفد رسميّ أو حملهم لمهمّات رسميّة، أو حتّى من خلال التنسيق بين مركز المحافظة والإدارة المحليّة كالبلديات في كل منطقة، كما جرت العادة قبل سقوط نظام الأسد، لكن الأمر أكثر صعوبة بالنسبة للجمعيات المحليّة والمؤسّسات الأهليّة، وتكرُّر هذا النوع من الحوادث يثير التخوّفات من قطع التواصل بين المجتمع المدنيّ والنّاس بطريقة بسيطة دون الاضطرار إلى طلب حضور قوّات الأمن في كلّ مرة.
ترى مارينا حكيميان أنه لا يمكن التنبؤ بردّة فعل المجتمع على عمل المجتمع المدنيّ، فمنتحليّ شخصيّة الفريق التطوعيّ ذكرا شفهيّاً حصولهم على الموافقات اللازمة، وترى أن “المجتمع سيعيد النظر في قبول كلّ من يطرق الباب ويقول نحن مجتمع مدنيّ ونرغب بالعمل معكم.”
وعلى الجانب الآخر ترى مشاركة (طلبت عدم ذكر اسمها) أن إمكانيّة تأثُّر المجتمع بهذه الحادثة ضعيف، لأنه من المعروف خلال سنوات الحرب أنّ عمل المنظّمات والجمعيات كثيرة التّسّميات يتمّ بالتّنسّيق المُسبق مع إحدى الجمعيات المحليّة المعروفة مُسبقاً في المنطقة، و”لا أعتقد أننا سنقع مجدداً في فخ الانتحال، على الأخص من هذا النوع.”
مسؤولية جماعية
اتّخذت الإدارة الجديدة في سوريا عدداً من الإجراءات الاحترازيّة للحدّ من ظاهرة الانتحال والتعدّي على البيانات الشخصيّة للمواطنين، إذ أعلنت حكومة تسيير الأعمال في كانون الثاني/يناير الماضي عن منع جمع البيانات الشخصيّة للمواطنين السوريين ومن في حكمهم من العاملين في الدولة أو غيرهم إلّا عن طريق وزارة الاتّصالات وتقانة المعلومات.

كما أصدرت قيادة الأمن العام في الشهر ذاته تعميماً يتضمن صورة البطاقة الّتي تحملها قوّات الأمن العام وصورة عن مذكرة الاعتقال، تجنّباً لحوادث انتحال شخصيّة قوّات الأمن العام واختطاف المواطنين أو تعرّضهم للأذى أو الابتزاز.
لكن، هذه الإجراءات وإن قلّصت عدد المنتحلين، لكنها لم تقضِ على الظاهرة بشكلٍ كامل، كذلك أثارت مخاوف من تعطّل عمل كمنظمات المجتمع المدني وتأخّرها في تلبية احتياجات السوريين الهائلة بسبب ربطها بالجهات الحكومية، وما ينجم عن ذلك من بيروقراطية أو تحكّم رسمي بالمجتمع المدني.
في هذا السياق يقول أسعد الحج أن الوعي واليقظة عاملان مهمّان جداً في هذه المرحلة، فمن الطبيعيّ أن يتطلّب الأمر تعاوناً مشتركاً بين الجميع، فلو لم نتابع ونحاول التقصّي عن هذا الفريق لكانت اليوم أموالنا مسروقة، ومثل هذه الحالات تصعب السيطرة عليها خصوصاً في الأرياف، فلا بدّ من التحقق الشخصيّ على الأقلّ عبر مواقع التواصل الاجتماعيّ، كما أن التوّجه إلى الأمن العامّ شديد الأهميّة في هذه الحالات، وعن انتشار هذه الظاهرة بعد سقوط نظام الأسد يقول: “من الواضح أنه لا توجد معرفة بين السوريين، فمن يأتي بصفة مُنتحل يعتقد أن النّاس جاهلين لا يفقهون شيئاً، فكلّ منطقة كانت تحت سيطرة مختلفة عن الأُخرى، والتواصل بين هذه المناطق كان شحيحاً في السابق، ما جعل من السوريين جاهلين بطبيعة بعضهم البعض، ويعتمدون على الأحاديث العامّة عن بعضهم، وهذا ما جعل البعض يعتقد بأنه قادر على الانتحال واستغلال الظرف الحاليّ.”
