FPN – سما المحمد
تقول الرواية، رواية السلطة الانتقالية على الأقل، إننا تحرّرنا، لكن هذه الرواية تُغفل أنّ الحرية لا تتجزّأ، فهي تأتي كاملة ومضيئة، ولا يمكننا الحديث عن حريّة وهناك من تُنتهك حقوقه. مرّت أكثر من سنة على سقوط نظام الأسد، وما زلنا غير قادرين على الإقرار بأنّنا تحرّرنا، ويذهب البعض، بعد سنوات طويلة من الثورة والمطالبة بالحريّات، إلى أنّ الحديث في بعض القضايا -مثل قضايا النساء- ليس من أولويّات المرحلة، خاصّة في ظلّ الانفلات الأمني وأعمال العنف والانتهاكات التي تحدث بشكل متكرّر.
لكن؛ ماذا عن الانتهاكات التي تتعرّض لها النساء؟ هل يحقّ لأحد التغاضي عنها أو إغفالها؟ وهل يمكننا الاطمئنان على مصير النساء مع التناقض الصارخ بين خطاب السلطة وسلوكيّاتها التي تثبت الإقصاء الكامل لهنّ؟ وفيما تعيش البلاد مرحلة جديدة غير واضحة المعالم، تقف معظم النساء بين خيارين: إما الخضوع لممارسات السلطة أو مواجهتها، وفي كلتا الحالتين تدفعن ثمن ذلك من ذواتهن ووجودهن، فكيف يمكننا مقاربة واقعهن في سوريا اليوم، وما الخيارات المتاحة أمامهن في المستقبل؟
عنف السلطة الرمزي
وفقاً للفيلسوف الفرنسي، بيير بوردو، يتمثّل العنف الرمزي بتلك الممارسات الخفية، الناعمة وغير المحسوسة، التي تترك أثرها بشكل أساسي على الإدراك الحسي والتقييم والفعل، فتنتج فرداً خاضعاً دون عنف واضح يُمارس عليه. يمكننا تلمّس ممارسة هذا النوع من العنف ضدّ النساء بشكل واضح من قبل السلطة الانتقالية، فمنذ وصولها إلى الحكم وأعداد النساء في أماكن صنع القرار والفضاء العام تتناقص، ناهيك عن بعض الخطابات التي ظهرت في البداية لتحديد موضع النساء في سوريا الجديدة و مهامهن وما تسمح به كينونتهن. تلك الخطابات، التي قوبلت بردود أفعال كبيرة في البداية، بدأت تتحوّل إلى سلوكيّات واضحة، بدعم من البيئة الاجتماعية الحاضنة للسلطة، فالانتهاكات المختلفة بحقّ النساء تجد دوماً من يبرّرها ويعمل على إنكارها بشكل ممنهج بهدف إسكات جميع الأصوات التي تتحدّث عنها.
هذه السلوكيّات تنبئ بتحوّل خطير قد يصيب البنى المجتمعية وحضور المرأة في الفضاء العام، ويمكننا القول إن هذه الممارسات بدأت تنتج سلوكيّات جديدة لدى النساء، تتمثّل بالانكفاء على أنفسهن والتزام مناطقهن أو الدوائر الضيقة المحيطة. هذا التغيير، والذي حتى الآن لا يبدو ظاهراً، سينتج بمرور الوقت حالة اجتماعية مختلفة، وغياباً للفردانية وتماهياً مع الرؤية المهيمنة، ليصبح مجتمعنا أكثر ذكورية وإقصاء للمرأة، خاصة مع وجود استعداد نفسيّ لدى البعض لتقبّله وتشجيعه.
الناشطة النسوية، هالة يونس، تقول لشبكة الصحافة الحرة إنّ “الحكومة الانتقالية حاولت تحقيق ذلك بأكثر من طريقة، وليس فقط من خلال الخطاب المباشر، الذي يتّضح فيه التقليل من إمكانيات المرأة وحصرها بدور رعائي والتركيز على دورها في دعم الرجل”. هذا الخطاب الذي يعيد تكريس نفس المفهوم الرجعي عن المرأة، بحسب يونس، “يبدو كنهج تتخذه الحكومة ويقترن بممارسات على الأرض”.
تشير يونس إلى أن الحكومة، بالإضافة إلى شبكة من العلاقات المحيطة التي أنعشتها هي نفسها التي كان المجتمع يحاول التحرّر منها، وتحديداً “سلطة رجال الدين وغيرها من السلطات الرجعية التي تتعمّد جميعها إقصاء المرأة”، لذلك “نجد الخطاب الرسمي يجد أصداءً في الشارع، ويتحوّل إلى خطاب متداول”.
هذا الخطاب له أثر سيّء ويؤدّي إلى إقصاء النساء عن كلّ المساحات العامة، وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تكريسه “من خلال الهجوم من قبل مؤثّرين مرتبطين بالسلطة على النساء اللواتي يعبّرن عن آرائهنّ في أيّ قضية، ويبدو الموضوع وكأنّه ممنهج نوعاً ما”.
أشكال متعددة للعنف
تعتمد السلطة الانتقالية على تجاهل وجود النساء في المشهد السياسي والأجهزة الإدارية في الدولة، وإن كان لا يمكن الجزم بأن أسباب هذا الإقصاء دينية بحتة أو أنها ناتجة عن خلفية ذكورية تسعى للهيمنة، ويجري ذلك في وقت يسعى فيه داعمو السلطة والبنى الاجتماعية الحاضنة لها إلى القيام بمهمة السيطرة على أجساد النساء وأصواتهن، في عملية قمع ممنهجة تحدث بشكل يومي، عبر وسائل التواصل الاجتماعي متمثّلة بالعنف الرقمي، وفي الفضاء والمساحات العامة عن طريق التضييق، وحتى التدخّل في اللباس والحركة. يرافق هذه العملية حالة من الاستئثار والشعور بالاستحقاق لدى هؤلاء، ورغبة في السيطرة المطلقة على الفعل والحركة والفكر عند كلّ من يحاول معارضة السلطة أو المساس بها.
تتراوح الانتهاكات بحقّ النساء بين قمع الحريّات الشخصية والإقصاء والاعتداء اللفظي إلى التغييب والخطف، كما حدث في مدن الساحل والسويداء، إذ نُشرت عدّة تقارير تتحدّث عن حالات خطف لنساء دون معرفة مصائر معظمهن حتى الآن، كما كشفت التقارير عن تهديدات وعمليات ابتزاز لعائلات الفتيات، في الوقت الذي تتجاهل فيه الحكومة هذه الانتهاكات وتنفي حدوثها، مع محاولات قمع الأصوات التي تثير هذه القضية. ومع حالة القمع والاستلاب التي تعيشها النساء اليوم تتحوّل حياتهنّ إلى مزيج من الخوف والقلق، فيما لا يبدو واضحاً كيف سيكون عليه مستقبلهن في البلاد.
تضيف هالة يونس بهذا الصدد: “هناك حالة من القلق لما قد يذهب إليه هذا الخطاب في المرحلة القادمة. لا نرى تجاوباً من أية جهة، حتى النساء بدأن يتأثّرن بسبب هذه الممارسات ويغيّرن من عاداتهنّ ولباسهنّ في بعض المناطق، فإذا كان الخطاب المتعلّق باللباس والحريّة الشخصية مؤثّراً لهذه الدرجة، فما بالك بأثر ذلك على مستوى المشاركة السياسية!”
بحسب يونس يبدو موقع النساء في سوريا اليوم هشّاً، علماً أنّ وضع النساء في السابق لم يكن أفضل، والفارق الوحيد هو مساحة الحريّة الشخصيّة، إذ أنّ “النظام السابق كان يقيّد الحريّات السياسية أكثر ويترك مساحة أكبر للحريّة الشخصية، أما الآن فنحن أمام تقييد من النوعين، ومجتمعنا فيه من الهشاشة ما يكفي ليتجاوب مع أيّ ضغط”، لا سيّما وأنّ الآليات التي تضغط فيها الحكومة لا تقلّ استبداداً عن آليات النظام السابق. “لدينا تجربة مريرة مع الاستبداد بكافة أشكاله، لهذا أرى أنّ الوضع مخيف.. هناك وضع مشابه لما حدث في إيران في بداية الحكم الإسلامي مع تعقيدات خاصة تتعلّق بالمجتمع السوري”، تقول يونس.
أثار نفسية وتغيّرات سلوكية
تختلف الآثار النفسية التي تسبّبها هذه الممارسات على النساء بشكل عام، وعلى من تتعرّضن للانتهاكات بشكل خاص، ويمكن القول إنّها تؤدّي إلى حالة من القلق والخوف لدى النساء عامة، وبالتالي العودة إلى ممارسة الحياة ضمن الدوائر الضيقة والبحث عن مساحات آمنة في الفضاء العام لتفادي التعرّض للأذى،
تصف مرح (اسم مستعار) لشبكة الصحافة الحرة ذلك باختصار: “بدأت أشعر بأن حريّتي في الحركة تختفي، فمنذ أشهر لم أتحرّك خارج منزلي بمفردي مع إحساسي الدائم بانعدام الأمان”.
العنف الجسدي والنفسي الذي بدأت تتعرّض له النساء بشكل ممنهج يمكن أن يتسبّب بآثار نفسية عميقة، حيث يفاقم الشعور بالدونية ولوم الذات، ويقلّل من شعور المرأة بالاستحقاق.
المعالج النفسي، أنس الحلبي، يتحدّث لشبكة الصحافة الحرة عن مشاهداته في العيادة خلال الفترة الماضية: “لاحظت في الفترة الأخيرة زيادة في معدلات القلق والحيرة والخوف، ويشمل ذلك جميع الفئات العمرية، بالإضافة إلى خوف من المستقبل.. هناك خوف من فقدان ما تبقّى من الأمان”.
يعتبر الحلبي أنّ هذه هي أبرز التغيّرات التي رصدها، ويضيف: “لا يمكننا تجاهل ظهور فئة بدأت تفكّر أكثر بدورها والحديث في المواضيع السياسية والسعي لتثقيف الذات، بالإضافة للتفكير في الهوية والدور في المرحلة المقبلة، ولكنها تبقى نسبة خجولة”.
كما يلفت الحلبي الانتباه إلى تزايد القلق الأمني والاقتصادي بالقول: “هناك أعراض قلق وتوتر مترافقة بأعراض جسدية، مثل نوبات الهلع، وفي الوقت نفسه هناك غضب مكبوت، خاصة لدى من تعرّضوا لاعتداءات في الصراعات المسلحة”. كذلك يترافق هذا الخوف بإحجام بعض النساء عن الحركة والخروج من المنزل بالإضافة لمحاولات التماهي مع المجتمع أو الثقافة السائدة من خلال تغييرات في الزي أو اللهجة، ويخلص الحلبي إلى أن الفترة الأخيرة بدأت تشهد صعوبات في إنشاء العلاقات، وزيادة في تبنّي الأحكام المسبقة من خلال محاولات معرفة مرجعيات الأشخاص وانتماءاتها، وهذا تسبّب بوضع حدود في العلاقات، حيث أصبح الجميع يميل للتعامل مع أشخاص من نفس البيئة الاجتماعية والابتعاد عن الاختلاط بالبيئات الأخرى.
دور خجول للحركات النسوية
من جانب آخر، تتضاءل فاعلية الحركات النسويّة، ويبدو أنّها تلجأ للامتناع عن التعليق على معظم الحوادث والانتهاكات التي تحدث، تعتبر الناشطة هالة يونس أن الحركات النسوية مثل كلّ شيء في سوريا اليوم؛ تعيش مخاضاً، ولا يوجد لها دور واضح، وتردف: “هناك قليل من محاولات الضغط وأكثرها بجهود فردية، لكن حتى الآن لا أستطيع القول إن هناك حركة نسوية سورية واعية لنفسها وقادرة على تحديد الأولويات والتحرّك ككتلة وتشكيل ضغط وتأثير”.
وفي الوقت الذي تخضع فيه هذه الحركات لظروف خارجية معقدة ضمن المرحلة الانتقالية، خاصة مع توجّه الحكومة المؤقتة لعدم تمثيل النساء في الدوائر وفرض من يمتلك نفس خطاب السلطة من الجنسين، فإنّ الحركات النسوية بحاجة إلى أن لا تندمج مع التيارات الإصلاحية التي ترى أنه يمكنها المهادنة على حقوق النساء.
“أرى أن دورنا كنساء هو المطالبة بأقصى الحقوق التي نريد كي نحصل على ما نستطيع منها، نحن نواجه سلطة دينية أقرب للفاشية، وهذا يتطلّب أن نكون منظّمات وقويّات وقادرات على الصمود”، تقول يونس، وتحذّر من أنّ الحركات النسوية قد يختفي أثرها ببساطة، لذلك يتوجّب أن يكون الخطاب النسوي أكثر جذرية، وخاصة أنّ النساء قادرات على لعب دور في إيصال رسائل سلام.
“يمكننا أن نكون صوتاً للمجتمع بالإضافة لقضايانا الخاصة، وعلى أقلّ تقدير يمكن لكلّ امرأة، ممن لديها حماية مجتمعية كافية، أن تدافع عن مساحتها الشخصية، فحريّة التعبير هذه تُعدّ مسؤولية، كذلك يجب بناء شبكة تواصل وتنسيق.. يجب علينا أن لا نكرّس نفس الأدوات السابقة عبر البقاء في المنزل.. علينا أن نخرج ونقاوم”.
