دلير يوسف
سنة كاملة مرّت على سقوط الأبد الأسدي.
سنة كاملة مرّت على موت الأبد الأسدي.
فكرتُ كثيراً بما أريد كتابته في الذكرى السنوية الأولى لسوريا خالية من الأسد. سنة حدث فيها الكثير: العودة الشخصية إلى سوريا بعد أكثر من عقد على مغادرتها، عودة اللاجئين، آمال الناس التي وصلت عنان السماء، التخبط الحكومي، المجازر، القتل المجاني، الخطف، وآلاف الأحداث الأخرى الكبيرة والصغيرة.
آلاف الأشياء يُمكن أن يكتب عنها المرء، منها أمور شخصية، ومنها أمور متعلقة بأداء السلطة الجديدة، ومنها أشياء لها علاقة بالسوريين والسوريات، أو يُمكن أن أكتب عن أشياء متعلقة باختصاصي: الصحافة (وخاصة المستقلة) ومنظمات المجتمع المدني ودورها اليوم، لكن في هذه اللحظة وأنا أفكر في سنة مرّت دون الأسد تجتاحني مشاعر تشبه اليوم الأول لهروب بشار الأسد؛ مشاعر ربّما لا أعرف كيف أعبر عنها.

أتذكّر عدم القدرة على النوم لساعات طويلة ومتابعة قنوات إخبارية متعدّدة طوال أيام “معركة التحرير”، حلب ثم حماة فحمص ودمشق، وأخيراً هرب بشار الأسد. ها قد انتهى عصر الأبد انتهى إلى الأبد.
أتذكّر البكاء والدموع. كانت ابنتي نائمة عند ابنة خالتها في بيتها المجاور لبيتنا. استيقظت في الصباح الباكر على هاتف من إحدى الصديقات تقول إنّ بشار الأسد هرب، وأنّ نظام الأسد سقط. قفزتُ من السرير لأشاهد الأخبار. بدأتُ بالبكاء ما إن رأيتُ الخبر. سألتني شريكتي عن سبب بكائي، فقلت لها: لا أعرف، أبكي على كلّ شيء، على الحريّة، وعلى سنوات عمري الضائعة، وعلى أولئك الذين رحلوا من أجل هذه اللحظة التاريخيّة. لا أبكي حزناً، ولا فرحاً، هذا بكاء آخر، بكاء لا يشبه شيئاً آخر. هذا بكاء سقوط النظام.
صارت تبكي معي. جاءت ابنتنا التي تبلغ السابعة من العمر ورأتنا نبكي. سألتنا عن سبب البكاء فقلنا لها إنّ الأسد قد رحل. قفزت ابنتي فرحاً وصارت تصرخ بالألمانية: رحل الأسد… رحل الأسد. ثمّ سألتنا عن مكان وجود حقيبتها. سألناها لمَ الحقيبة، فقالت من أجل أن نعود إلى سوريا. فصرتُ أبكي أكثر.
لم يحدث أن تحدّثنا عن العيش في سوريا أو العودة إليها. ابنتي ألمانية، وُلدت من أم ألمانية ولغتها الأم ألمانيّة، لكنها فهمت أنّ ما يربط عائلتنا بسوريا أعمق من لغة ومفردات ومكان فيزيائي.*
عدت إلى سوريا بعد أقل من ثلاثة أسابيع على سقوط نظام الأسد، كنتُ كالثمل الذي لا يعرف شيئاً سوى البكاء والبحث عن ذكرياته البعيدة في شوارع وأبنية عرفها قديماً. لم أكن أستطيع رؤية الأشياء والحكم عليها بعقل ومنطق، بل كانت العاطفة هي المسيطرة على أفعالي وتقييمي للأمور. طوفان من المشاعر…
ذات المشاعر تطغى عليّ الآن وأنا أكتب.
مرّت سنة حدث فيها ما حدث من خطف وقتل ومجازر ومحاولات لبناء دولة تعطي أهلها الحد الأدنى من العيش الكريم وتقسيم جديد لجغرافية سوريا، كان عندنا إدلب وريف حلب، ومناطق النظام، ومناطق قسد، صار عندنا مناطق النظام الجديد والسويداء ومناطق قسد (لا ننسى -في السابق والآن- المناطق التي تحتلّها إسرائيل). يبدو أن لعنة الجغرافية السورية لن تنتهي.
أفكّر الآن في مشاعري هذه، وأقول لنفسي مالهذه الأنانية لا تفارق المرء حين يحكي عن أحداث كبرى في التاريخ (تاريخه الشخصي وتاريخ بلاده)؟ كيف يكتب المرء عن مشاعره وهو يعرف أنّ في بلاده أناس لا يستطيعون العودة إلى البيت حتى الآن؟ كيف يحكي المرء عن أيّ شي وهو يعرف أنّ نساءً تُختطف بشكل متواتر في بلاده؟ كيف يستطيع المرء أن يجعل الكون يدور حوله وهو يعرف معظم سكّان هذه البلاد، بلاده، يعيشون تحت خط الفقر وأن نصفهم تقريباً ينامون جوعى؟
أكتب الآن وأتذكّر لافتة رفعت في مظاهرة في مدينة حلب في خريف العام 2016 تقول: ” الانتصار على طاغية ليس هدفاً نهائياً.. أنا هنا، كي يعرف الناس أنّهم أحرار، وأن لهم حقوق كي يجدوا مكاناً لائقاً لهم في هذا العالم”.
نعم، كان زوال الأسد عظيماً، من أعظم الأمور التي حدثت في تاريخ سوريا والمنطقة. نعم، كان سقوط الأبد حدثاً عظيماً. نعم، كان هروب بشار الأسد حدثاً عظيماً. لكن، هذا ليس الهدف النهائي من ثورة 2011، ولا ليس هدفاً نهائياً لأيّ شخص آمن بالحرية والكرامة والعدالة، بل خطوة عظيمة في طريق طويل، نهايته أن يعيش كلّ الناس.. كلّ الناس.. أحراراً ولهم حقوق مواطنين متساويين لا فضل لأحدهم على آخر. طريق نهايته أن يعيش كلّ الناس بكرامة، ولا أقلّ من ذلك.
* المقاطع الثلاث التي سبقت هذه النجمة قد اقتُبست من نص كتبته سابقًا ونُشر في موقع درج تحت عنوان “محاولة لإعادة تعريف البكاء“.
