FPN – ليدا زيدان
تحضر الأعمال الفنية بعد الحروب والأزمات الكبرى في إطار المحاولات للتفاعل الحسي والجمالي مع الأحداث وإعادة بناء الذات والهوية وفق رؤية جديدة تبعاً للتجربة الشعورية التي اختبرها الفنان والمجتمع بشكل عام. كذلك يلعب الفن دوراً محورياً في سرد الحكايا بطرق مختلفة، إذ يحاول الفنانون عبر أعمالهم نقل الحالة الانفعالية بطرق جمالية وتوثيق مرحلة تاريخية من حياتهم، وبفضل الفن يمكن للمجتمعات أن تشفى من صدماتها وأن تحوّل قلقها الوجودي إلى فعل جمالي يعيد تكوين الوعي والذات الفردية وتشكيل الانتماء والهوية.
الحركة الفنية في السويداء تشكّل مثالاً واضحاً على هذا التوجّه، إذ تشهد المحافظة بعد أحداث تموز الأخيرة وما تلاها زيادة في الحركة الفنية والثقافية. في الآونة الأخيرة ظهر عدد من التجمّعات والفرق الفنية في تكثيف واضح للحركة الثقافية ومحاولة لمواجهة الواقع الاقتصادي والأمني الذي تمرّ به المنطقة.
مؤسس “تجمّع حبق”، مكسيم أو دياب، أوضح لشبكة الصحافة الحرة إن التجمّع تأسس بعد الهجوم الذي حدث في تموز، وبدأ كتجمع لمصورين وفاعلين في المجال الإعلامي والفني، وكان هدفه الأساسي تغطية الأحداث وإيصال الحقيقة، وفيما بعد تطوّرت مشاريع التجمّع ليصبح هناك موقع إلكتروني ومنصات على مواقع التواصل الاجتماع بالإضافة لإقامة أنشطة ثقافية ورقمية، ويشير أو دياب إلى وجود مجموعة مختلفة من الفرق التي تعمل على عدة مشاريع في المدينة.
معرض “ضوء”
من ضمن المشاريع التي شارك تجمّع حبق في إنجازها معرض “ضوء” الذي أقيم الأسبوع الفائت، والذي تمثّلت فكرته الأساسية في التأكيد على البقاء والاستمرار، وجمع المعرض ثمانية فنانين وفنانات من السويداء، قدم كل واحد منهم رؤيته للواقع بأسلوبه الخاص، بدءاً من الرسم وتقنياته وصولاً إلى التجهيز الفراغي.
تنوّعت اللوحات والأعمال المشاركة، واشتركت جميعها في محاولة تسليط “ضوء” على تفصيل من تفاصيل الحياة اليومية بعد أعمال العنف في المحافظة، وتجسيد لوحة بصرية منتوعة عن النزوح والخوف والمنازل المهجورة التي تنتظر أهلها.
يضيف أبو دياب: “من المتعارف عليه وجود عدد كبير من الفنانيين في السويداء، وحضورها في المشهد الثقافي السوري وفي المنطقة بشكل عام”. يتحّدث أبو دياب عن وجود رغبة قوية وواضحة لتنمية الحالة الفنية، إذ تسبّبت الأحداث الأخيرة في خلق حالة جديدة تتجلى في التوجه لتنمية المشهد الثقافي، ويضيف “نرغب نحن في تجمع حبق بتعزيز ذلك مع كل الشركاء والأصدقاء لتكون السويداء مدينة من المدن المميزة بالثقافة والفنون”.

دور الفن في المراحل المفصلية
تلخّصت فكرة معرض ضوء في تحويل العمل الفني إلى فعل صمود ثقافي لتثبيت اللحظات الحية وسط اضطراب الواقع، إذ سعى الفنانون المشاركون فيه إلى تحويل الفن إلى لغة تسجل ما يحدث في محاولة للبحث عن نقطة التقاء لأصوات مختلفة وصنع فضاء مشترك، فضلاً عن كونه محاولة بصرية للتمسك بالحياة والذاكرة.
يلعب الفن دوراً كبيراً ما بعد الحروب باعتياره وسيلة مثالية للتعبير بأشكال متنوعة في محاولة لإعادة بناء الهوية الذاتية والجمعية وتوثيق الحكايات وما تعرّض له الإنسان من مخاوف، ومن خلاله يمكن للإنسان خلق حالة شعورية مختلفة، وقد يصبح الفن وسيلة للبحث عن معنى للحياة. يقول أبودياب: “الفنون تساهم في توثيق المراحل التاريخية المفصلية وتستطيع نقل الحالة بطريقة مختلفة.. هناك الكثير من الأشياء التي لا يمكن التعبير عنها بالكلام.. فقط الفن يستطيع التعبير بشكل أفضل”.
يتّخذ تجمع حبق شعاراً يلخص ذلك “ترجمة التعاطف إلى حوكمة والذاكرة إلى سياسات والفن إلى محاسبة”، حيث يرى مؤسسو التجمع أن الحالات الشعورية يمكن تحويلها إلى مواضيع واقعية وسياسية وحياتية. في ذات الوقت تلقى هذه الحركة الفنية تفاعلاً كبيراً من قبل المجتمع المحلي من خلال الحضور والمشاركة في هذه الفعاليات.
يضيف أبو دياب: “لا يمكننا الحديث عن دعم مؤسساتي، الدعم يتمثل بالحضور والتفاعل مع هذه الحركة”، كما يلفت إلى وجود بعض الدعم من مؤسسات فنية سورية وعربية لكن هذا الدعم تواجهه مجموعة من القيود والتحديات، لذلك يعتبر أبو دياب أن الدعم الفني المقدم أقل بكثير من المنتج الفني وما قدمته الحركة الثقافية في السويداء تاريخياً في العمل الفني، منوهاً إلى أن الجمهور في السويداء داعم للفن بشكل كبير، ويردف: “هناك مراعاة لمعاناة الأهالي ممن نزحوا من منازلهم أو تعرضوا للعنف والاعتقال.. هذه القضايا بحاجة ليكون لها صوت ونحرص على تخصيص مساحة لها”، ويؤكد على أن هذا الطرح يبقى دائماً ضمن الإطار الإنساني ويخضع لمساءلة شخصية وتقييم كي لا يتسبب بأذى للذين تعرضوا لانتهاكات أوسع من الآخرين.

العمل الفني وإعادة بناء الهوية
في كتابها الرؤية التعاطفية (العاطفة والصدمة والفن المعاصر) ترى جيل بينيت أن الفن بعد الحروب والعنف لا يؤدي وظيفة جمالية محايدة بل يشكل مدخلاً لبناء العلاقة بشكل مختلف بين الهوية والذاكرة والذات ما بعد الصدمة، كما أنه لا يعمل بوصفه توثيقاً للأحداث فقط بل كتجربة حسية تعاطفية تتيح للمتلقي أن يشعر بالصدمة بدل أن يراها من الخارج، إذ تعتبر أن الصدمة لا يمكن سردها سرداً مباشراً، لذلك تلجأ المجتمعات إلى الفنون كوسيلة لإعادة الإحساس بها عبر الصورة والجسد والصوت والفراغ إذ أن الفن في هذه الحالة لا – يدين ولا يشرح- ما حدث بل يساهم في إشراك المتلقي بالإحساس ويصبح بذلك مساحة بديلة للهوية ولغة جديدة للتعبير عن الذات بعد فشل الخطاب السياسي في تقديم الهوية والصورة الحقيقة عن المجتمعات.
يعتبر أبو دياب أن التعرّض للمأساة في السويداء تسبب بزيادة التوجه للفنون لأسباب مختلفة، ويرى أن المرحلة تشهد إصراراً على العمل الفني. يقول: “هناك هدف داخلي، إذ أن التعرض لهذا النوع من المأساة والصدمة بعد الهجوم أدى إلى رغبة أقوى بالحفاظ على الحياة.. وأستطيع أن أجزم أن الأهالي هنا تعرضوا في لحظات لمشاعر تتعلق بنهاية حياتهم” ويرى أبو دياب أن التعرض لخطر الموت تسبب برد فعل شخصي نفسي لدى مجتمع السويداء، بالإضافة لرغبة بتصدير صورة تعكس حقيقة المجتمع كرد على الإعلام الشعبوي المسيطر والذي نجح في تصدير صورة متطرفة ومشوهة عن المجتمع هناك بالرغم من أن هذا المجتمع معروف بتنوعه واختلافاته وانفتاحه”.
يؤكد هذا التوجه للتعبير عبر الفن على نظرية بينيت، حيث توضح أن الهويات بعد الحرب لا يمكن إعادة صياغتها من خلال الخطاب السياسي بل عبر التجربة الحسية والذاكرة التعاطفية، ويمكن للفن أن يلعب دوراً هاماً في ذلك عن طريق إعادة تشكيل الإحساس بالهوية الفردية والجمعية بعد الصدمة خارج منطق السلطة وعن طريق حفظ الذاكرة الإنفعالية خلال الأحداث وتأثيرها.
