عبدالله الشعار
تتزايد في الآونة الأخيرة احتمالات اتساع دائرة المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة والاحتلال الاسرائيلي من جهة أخرى، في صراع تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع المصالح الجيوسياسية والاقتصادية. غير أن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بطبيعة هذه المواجهة، بل بالجهة أو الأطراف التي سيتحول إليها العبء والخسارة الاقتصادية والعسكرية المباشرة إذا تحولت إلى حرب إقليمية أوسع.
في الواقع، لا تدور هذه الحرب في فراغ جغرافي، بل في منطقة أصبحت مراراً ساحة لتصفية الحسابات بين قوى إقليمية ودولية، وتدفع شعوبها ثمن هذه المواجهات بصورة مباشرة.
في كثير من الحالات التاريخية، سعت القوى الكبرى إلى إدارة الحروب عبر توسيع دائرة الأطراف المنخرطة فيها، بحيث تتحمل الأطراف الإقليمية جزءاً كبيراً من الكلفة العسكرية والاقتصادية للحرب. فقد حدث ذلك في غزو العراق عام 2003 عندما قادت الولايات المتحدة تحالفاً عسكرياً واسعاً عُرف باسم “Coalition of the Willing”، وضم العديد من الدول التي قدمت دعماً متنوعاً لغزو العراق، سواء عسكرياً أو لوجستياً أو سياسياً ودبلوماسياً.
كما تكرر الأمر في الحرب على أفغانستان، حيث تحولت العمليات إلى مهمة دولية تحت قيادة حلف الناتو، وشارك فيها عدد من الدول بقوات لوجستية وعسكرية متنوعة، ما ساهم في توزيع الأعباء بين أطراف متعددة بينما بقيت الولايات المتحدة في موقع القيادة الاستراتيجية. وتكرر النمط ذاته في الحرب ضد داعش في العراق وسوريا، حيث أنشأت واشنطن تحالفاً دولياً واسعاً شاركت فيه قوى إقليمية وغربية، ما أدى إلى توزيع أعباء المواجهة بين عدد كبير من الأطراف مع استمرار الدور القيادي للولايات المتحدة.
في هذا السياق، تبدو مصلحة الولايات المتحدة واضحة في أن تنخرط أطراف إضافية في المواجهة مع إيران، سواء كانت دول الخليج أو أطرافاً إقليمية أخرى، بحيث تتحمل هذه الأطراف جزءاً كبيراً من الكلفة الاقتصادية والعسكرية، بينما تسعى واشنطن إلى إدارة الحرب من موقع المراقب والحَكَم، مع احتفاظها بدورها كمورد رئيس للأسلحة والذخائر. وهكذا تتحول الحرب، في حال اتساعها، إلى شبكة من الاشتباكات المتشابكة بين القوى الإقليمية، مع بقاء القوة الكبرى قادرة على التأثير في موازين القوة دون أن تتحمل الكلفة المباشرة للحرب.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في احتمال توسّع هذه الحرب لتشمل دولاً جديدة في المنطقة، ولا سيما سوريا، التي خرجت من حرب طويلة أعقبت الثورة التي اندلعت عام 2011، وتحولت لاحقاً إلى ساحة لتداخلات وتدخلات إقليمية ودولية متعددة. وإضافة إلى ذلك، فإن دخول دول الخليج في أي مواجهة مباشرة سيعني اتساع نطاق الحرب لتتحول إلى صراع إقليمي واسع، بما يزيد من تعقيداته السياسية والاقتصادية ويرفع كلفته على المنطقة وشعوبها.
في نهاية المطاف، تبدو الحكمة السياسية اليوم في تجنب تحويل الحرب إلى مواجهة إقليمية شاملة بدلاً من أن تبقى مجرد حرب استنزاف بين إيران والاحتلال الاسرائيلي والولايات المتحدة. فالحروب التي تبدأ محدودة قد تتسع بسرعة في منطقة تعج بالتحالفات المتشابكة والتوازنات الهشة، ما قد يؤدي إلى تفاقم النزاعات الداخلية في دول متعددة، وزيادة أعداد الضحايا المدنيين، وارتفاع التوترات الطائفية والسياسية. كما أن توسيع نطاق المواجهة سيؤثر مباشرة على الاقتصاد الإقليمي والعالمي، خصوصاً فيما يتعلق بأسعار الطاقة والتجارة عبر المضائق الحيوية الحساسة. وفي معظم الحالات، تكون شعوب المنطقة هي التي تدفع الكلفة الأكبر لهذه الحروب، بينما تظل القوى الكبرى قادرة على إدارة النزاع من مسافة آمنة مستخدمة أدواتها الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية لتحقيق مصالحها الاستراتيجية، بما في ذلك التحكم في توازن القوى وفرض شروط التفاوض واستدامة نفوذها في المنطقة.
في ظل هذا الواقع، يصبح إدراك المخاطر والاعتماد على استراتيجيات الحذر والحد من التصعيد أمراً حيوياً لتجنب الانزلاق إلى صراع شامل يصعب السيطرة عليه. ولذلك فإن الكلفة الحقيقية لهذه الحرب يجب أن تتحملها الأطراف الثلاثة المتصارعة — إيران والاحتلال الاسرائيلي والولايات المتحدة — لا أن تُدفع مرة أخرى من استقرار المنطقة ومستقبل شعوبها.
