بشار يوسف
لا يمكن فهم شكل الدولة إلا من خلال الطريقة التي تُنتج بها السلطة قراراتها، والمشهد في سوريا اليوم لا يعكس بالتأكيد انتقالاً نحو بناء دولة مؤسَّسات، بل يتّخذ نمطاً متصاعداً من تركيز القرار في يد أحمد الشرع، رئيس الفترة الانتقالية كما كان يٌفترض لها أن تكون، وبعض الشخصيات المقرّبة منه، من قادة هيئة تحرير الشام سابقاً.
في العام الجاري، وخلال أقلّ من 15 أسبوعاً، أصدر الشرع 46 مرسوماً، ليُضافوا إلى عشرات المراسيم التي صدرت في العام الفائت، منذ تنصيبه “رئيساً” في مؤتمر النصر. ما يثير القلق ليس حجم الصلاحيات الممنوحة للشرع في الإطار الدستوري الانتقالي وحتى خارجه، بل غياب أي بنية فعلية تقف في مواجهة تلك الصلاحيات أو توازنها على أقلّ تقدير، فغياب سلطة تشريعية فاعلة لا يعني مجرّد فراغ مؤسَّساتي، بل يعني عمليّاً أن وظيفة التشريع نفسها لم تعد مستقلّة، ولم يعد هناك مجال حقيقي لمناقشة القوانين أو مراجعتها أو تعديلها عبر آلية تمثيلية، بل أصبحت القرارات تُنتج من المركز مباشرة، ثم تُفرض كواقع قانوني وإداري على كامل الدولة.
هذه الآلية تعرّف العلاقة بين الدولة والقرار السياسي، فبدل أن تكون الدولة إطاراً تُنتج داخله سياسات متعدّدة عبر مؤسّسات مختلفة، أصبحت أقرب إلى قناة واحدة يمرّ عبرها كلّ شيء، بحيث لم يعد المرسوم الرئاسي مجرّد أداة استثنائية، بل أصبح اللغة الأساسية للحكم؛ إعادة هيكلة مؤسّسات الخدمات العامة، التعيينات، إدارة الحياة الاقتصادية، كلّ ذلك يُحسم خارج أي نقاش عامّ، ويُمرَّر عبر صيغة تنفيذية فورية.
المراسيم الثلاثة الأخيرة، المتعلّقة بتحويل مؤسّسات خدمية إلى شركات، تعكس هذا النمط بوضوح، فهي لم تأتِ كنتيجة لعملية تشاركية داخل مؤسَّسات الدولة، ولا كتعبير عن نقاش إداري أو اقتصادي موسّع، بل كقرارات جاهزة تعيد تشكيل بنية مؤسّسات كاملة دفعة واحدة. المشكلة هنا ليست في جدوى الإصلاح أو عدمه، بل في الطريقة التي يُنتج بها ذلك: من الأعلى إلى الأسفل، دون أي مسار مؤسّسي وسيط، وبلا أيّ إمكانية فعلية للمراجعة أو الاعتراض.
في ظلّ هذا النمط، تصبح المؤسّسات القائمة أقرب إلى هياكل تنفيذية منها إلى أجهزة حكم، فالوزارات، والإدارات العامة، وحتى المؤسّسات الخدمية، ليست جهات تصنع السياسات أو تشارك في صياغتها، بل يقتصر دورها على كونها أذرع تنفيذية لقرارات تُصاغ في مركز القرار ثم تُنزل إلى الأسفل، وهو ما سيعني بالضرورة إضعاف أدائها، فضلاً عن تغيير طبيعتها بالكامل وتحويلها من أدوات حكم إلى أدوات تنفيذ.
الأمر لا يتوقّف عند البنية المؤسّسية فحسب، بل يمتدّ أيضاً إلى طبيعة إنتاج القرار نفسه، فالدائرة المحيطة بالشرع لا تعمل ضمن أطر شفّافة أو مؤسّسات معلنة، بل شكّلت لنفسها فضاءً غير مرئي من النفوذ والتأثير، يُدار من خلاله جزء كبير من تفاصيل الدولة اليومية. في مناخ كهذا، لا يعود من السهل التمييز بين الدولة ككيان عام، وبين شبكة صنّاع القرار الضيّقة التي تتحكّم بها فعلياً. ومع الوقت، تتآكل هذه الحدود حتى تصبح الدولة مجرّد امتداد لهذه الدائرة.
هذه المركزية الشديدة في صنع القرار تنعكس مباشرة على القطاعات كافّة دون استثناء؛ فعلى سبيل المثال تُتّخذ قرارات تتعلّق برفع الدعم عن سلع أساسية، ويُعاد تسعير الخدمات العامّة، ويتم تغيير طبيعة الهيئات والمؤسسات الحكومية، ويتم رفع الأجور وإصدار عفوٍ عامّ، وغالباً تحت عنوان “الضرورة”، لكن بشكل مفاجئ، ودون مسار تدرّجي أو تشاركي، وبالتالي تأخذ صلاحيات المستويات الوسيطة بالتراجع لصالح المركز، ما يجعل كلّ تفصيل إداري مرتبطاً مباشرة بموافقة أعلى هرم السلطة (الشرع).
هذا النمط يخلق دولة قد تبدو أنّها تتحرّك بسرعة، لكنّه في المقابل يُفرغها من أيّ توازن داخلي. الأخطر في هذا النموذج ليس فقط مركزية القرار، بل غياب أيّ آلية حقيقية لمراجعته، إذ لا توجد سلطة قادرة على مساءلة القرار بعد صدوره، ولا مؤسّسة يمكنها إيقافه أو تعديله أو حتى إعادة النظر فيه بشكل مستقل، وكلّ ذلك بموجب الإعلان الدستوري، الذي تمّ خرقه أيضاً. في هذه الحالة، يصبح الخطأ جزءاً من البنية نفسها، وليس انحرافاً عنها، ولا يبقى هناك فرق بين قرار صحيح وآخر خاطئ على مستوى النظام، لأنّ كليهما يمرّان عبر القناة نفسها، وبالطريقة ذاتها.
ترتبط هذه الإشكالية بطبيعة الشرعية السياسية نفسها، فوجود السلطة الحالية لم ينبثق من عقد اجتماعي واضح أو عملية سياسية توافقية، بل من واقع فرضته القوّة، ثمّ جرى تثبيته لاحقاً بتوافقات دولية. هذا الفارق جوهري، لأنّه يحدّد طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، فحين لا يكون هناك تفويض سياسي واضح، ولا مشاركة حقيقية في إنتاج السلطة، تغدو القرارات، حتى لو كانت إدارية أو خدمية، محلّ سؤال دائم حول مصدرها وحدودها.
بمرور الوقت، ومع تراكم هذا النمط من الحكم، ستتحوّل المرحلة الانتقالية من مساحة يُفترض أنّها كانت مؤقتّة لإعادة بناء دولة ما بعد الأسد إلى حالة دائمة من إدارة الدولة عبر الاستثناء، من خلال استنساخ النظام السابق، وتكريس أدواته، لكن هذه المرّة بصورة أوضح دون اختباء خلف هيكلية وهمية؛ كلّ شيء يمسي قابلاً للتغيير السريع، لكن لا شيء مستقرّ، فالمؤسّسات قابلة لإعادة التشكيل في أيّ لحظة، والسياسات قابلة للتبديل الفوري، والقرارات قابلة للصدور دون أي مسار طويل من التفاوض أو التشاور. هذا يعطي انطباعا بالفعّالية، على الأقل بالنسبة لجمهور السلطة، لكنّه في العمق يخلق دولة بلا قواعد ثابتة، تتحرّك وفق مركز واحد، لا وفق نظام مؤسّسي.
بكلمات أخرى، لا يبدو أنّ السؤال الحقيقي في سوريا اليوم يتعلّق بسرعة “الإصلاح” إن أمكن تسميته كذلك، أو بطبيعته التقنية، بل بطبيعة النموذج نفسه، إذ لا يمكن لدولة تُدار بهذه المركزية الشديدة أن تتحوّل إلى دولة مؤسّسات فعليّة، بل سيكون المرسوم هو الشكل الدائم للحكم، وبالتالي الشكل الدائم للدولة نفسها.
