عبدالله الشعار
التجييش الطائفي والمناطقي لم يعد مجرد سلوك عابر أو رد فعل انفعالي، بل أصبح على ما يبدو جزءاً من “استراتيجية إدارة الرأي العام” غير المعلنة، حيث يتم انتقاء حدث واحد من بين عشرات الأحداث اليومية، ثم تضخيمه وتسليط الضوء عليه لأنه يحمل الشحنة العاطفية المطلوبة لاستنفار الجماعات.
هكذا تتحول القضايا العامة إلى ساحات صراع هوياتي ضيق تُقاس فيه المكانة بمدى القدرة على شدّ العصب لا على إنتاج الحلول، ويصبح الانقسام بديلاً عن النقاش والاستقطاب بديلاً عن السياسة. وفي هذا السياق يغدو احترام الاختلاف وقبول التعددية والعمل الثقافي والسياسي مجرد تفاصيل هامشية، بينما تتقدم الهويات الصغيرة المرتبكة والهويات الكبيرة المتطرفة إلى الواجهة كأنها النتيجة الطبيعية.
في المشهد السوري اليوم يبرز شكلان متقابلان عامان يقتربان كثيراً في إنتاج النتيجة ذاتها: إنتاج السوء. أحدهما موالٍ أعمى للإدارة الجديدة لا يقبل بأي توصيف للواقع إلا إذا جاء مثالياً خالياً من العيوب، والآخر رافض كلياً لها يعمل باستمرار على تضخيم أي خلل أو نقص، فيُسقط أخطاء الجزئي على الكلي ويُشيطن كل ما يمت بصلة للمشهد، سواء كان محلياً أو عاماً. وهكذا لا يعود النقاش حول الواقع بقدر ما يصبح صراعاً بين صورتين متناقضتين لا تلتقيان، فنقع مجدداً بين سندان التبرير لأي شيء ومطرقة الرفض لكل شيء.
وفي ظل غياب تشكّل التجمعات أو المقاربات التي تنطلق من أساس كلي جامع – سواء على المستوى العام أو المحلي المرتبط به – يتحول هذا الانقسام إلى حالة مستقرة بحد ذاتها تُعيد إنتاج نفسها، محاولة غلق الأبواب أمام أي إمكانية لخلق تيار بديل عن الاستقطاب بكافة أشكاله، تيار له محددات ومبادئ وأهداف واضحة ومساحات للاختلاف.
ما بين هذا التجييش من جهة، وهذا الاستقطاب الحاد من جهة أخرى، يتآكل المجال العام تدريجياً وتصبح إمكانيات العمل السياسي غريبة عن الفعل العام، تارة لانعدام قوانينها وتارة أخرى لغرابة مفاعيلها عن السائد، حيث يصبح الصوت المتزن عبئاً لا يحتمل لأنه لا ينتمي بالكامل لأي من السياقين. في هذه البيئة لا يُنظر إلى من يسعى للفهم أو يحاول بناء مقاربة نقدية بل يُعاد إنتاجه إما كخصم أو كحليف قسري. وهكذا تتكرس حلقة مغلقة تُقصي كل محاولة لتشكيل وعي كلي جامع قائم على التفكيك والتحليل لا على الاصطفاف وعلى خلق المعنى لا على استهلاكه، بما يجعل الخروج من هذه الثنائية ليس مجرد خيار فكري بل ضرورة لتفادي إعادة إنتاج الحالة السابقة بأوجه مختلفة.
في مواجهة هذا الانغلاق تبرز الحاجة إلى عمل تفاعلي تحالفي واضح لا يقوم على ردّ الفعل أو التموضع بين معسكرين، بل على مبادرة واعية تسعى إلى خلق مساحات مشتركة تتجاوز الاستقطاب، وتؤسس لتيار سياسي عام جديد يستعيد المعنى الأول للثورة بوصفها مطلباً للحرية والكرامة، تيار يقوم على وضوح المحددات والمبادئ، ويجمع بين المختلفين ضمن إطار وطني جامع لا يُلغي التباينات بل ينظمها ويمنحها شرعية الحضور والتأثير.
في هذا السياق يصبح الاختلاف الفكري والسياسي والاجتماعي والفردي ليس عبئاً يجب احتواؤه، بل شرطاً ضرورياً لحيوية هذا التيار وفاعليته، فغياب هذا المسار لا يترك فراغاً فقط، بل يعيد إنتاج الثنائية ذاتها، بينما يشكّل حضوره إمكانية فعلية لإعادة بناء المجال العام، واستعادة السياسة كفعل تشاركي قائم على الحرية والكرامة، وعلى حماية حق الاختلاف بوصفه أساساً لأي تحول حقيقي.
لا يمكن لأي بديل حقيقي أن يتشكل دون وضوح في الرؤية السياسية التي تحكمه، رؤية تنتمي إلى أفق ديمقراطي جامع يرفض الاستبداد بكل أشكاله ولا يختزل السياسة في صراع على السلطة بقدر ما يعيد تعريفها كفعل مجتمعي مسؤول، بديل يُعيد الاعتبار للعدالة الانتقالية بوصفها أساساً لأي مصالحة ممكنة، ويضع محاربة الفقر وإعادة بناء المؤسسات في صلب أولوياته دون أن يفصل ذلك عن مطلب الحرية، بديل يُدرك خطورة الانزلاق إلى الطائفية أو العنف الأهلي “الداخلي”، فيواجههما بخطاب وطني جامع، لا يُنكر الاختلاف لكنه يرفض تحويله إلى أداة صرا، كما يُعيد الاعتبار لدور النساء وللعمل المحلي وللأجيال الجديدة، بوصفهم شركاء حقيقيين في صياغة المستقبل لا مجرد امتدادات أو أدوات.
في المحصلة إن تجاوز الاستقطاب لا يكون فقط بكسره بل ببناء هذا الأفق البديل: سياسة قائمة على التواضع المعرفي وعلى البحث عن الحلفاء لا الأعداء، وعلى الإيمان بأن الديمقراطية ليست لحظة تغيير، بل مسار طويل يُبنى من المجتمع وبالمجتمع ولأجله.
