إبراهيم زرقه
في مشواري المعتاد من قريتي إلى مدينة جبلة ضمن حافلة التنقّل، محمَّلاً بالكثير من الأفكار، وعند مدخل المدينة، لفت نظري تمثال الحذاء العسكري في الواجهة؛ تمثالٌ وُضع عند الناحية المؤدية إلى الريف العلوي، وكأنه رسالة واضحة مفادها: “سيبقى الحذاء فوق رؤوسكم”. ما أثار استغرابي هو خلو جبلة من تماثيل “الأب القائد” أو “الابن”، على عكس معظم المدن السورية، لكن السلطة اختارت أن يكون الحذاء العسكري هو الرمز الأبرز في مدخلها، إلى جانب تمثال لجندي في ساحة العمارة، يحمل بندقية موجهة نحو الأحياء السنية، في رسالة أخرى لا تخلو من التهديد: “الرصاص ما ينتظركم إن فكرتم بالتمرّد مجدداً”.
موتى بصمت وموتى تحت الأضواء
من يعرف تاريخ هذه المدينة يدرك أن العديد من أبنائها، من الريف والمدينة، وقفوا في وجه الطاغية الأب في الثمانينات، لكنها قُمعت ببطش شديد، ورغم حصول بعض العلويين على استثناءات، إلا أن التهميش شمل المدينة بأكملها.
تنطلق أولى شرارات الاحتجاجات في جبلة، وتبدأ الاعتقالات يومياً، فيما توالت مواكب الموتى إلى المدينة. مداخل جبلة اكتظت بصور عساكر وضباط النظام، ترافقها نعوات تُمجّدهم، في المقابل، كان هناك مدنيون يُقتلون بصمت، من دون أي نعي يذكر، مدينة انقسمت إلى قسمين واضحين: قسمٌ يبكي ضحاياه علناً، بصور تملأ الشوارع، وآخر يبكي بصمت، خوفاً من الملاحقة الأمنية. وحدهنّ الأمهات كنَّ يفهمن ما يدور في خاطر الطرف المقابل.
على الجدران، تفاوتت عبارات النعوات؛ بعضها كُتب فيه: “استشهد على يد عصابات الغدر الإرهابية”، بينما حملت أخرى عبارة: “استشهد دفاعاً عن الوطن”. كانت هذه الفوارق اللغوية كفيلة بكشف موقف حاضنة النظام من مقتل أبنائها، لكن حتى من كان لديهم شكوك، لم يكونوا قادرين على الاعتراف بالخسارة، لأنها كانت أكبر من أن تُحتمل.
في المقابل، كانت النعوات لمن قُتل برصاص الأمن أكثر غموضاً، حيث لم تذكر سوى عبارة “توفاه الله”، دون الإشارة إلى الجهة التي أزهقت روحه. ومع مرور الوقت، بدأ الموت يفتك بالمعتقلين داخل الأفرع الأمنية، بعضهم سُلّمت جثته لأهله، بينما لم يحصل آخرون حتى على هذا الحقّ. وحينها، كانت العائلات تُجبر على التزام الصمت، لا عزاء، لا مراسم وداع، مجرّد دفن سريع، أو حتى انتظار بلا نهاية لجثمان لم يصل.
ومع كل ما مرّت به المدينة، ظلت أزمة النعوات قائمة، وكأنها إحدى أوجه الانقسام العميق فيها. وبعد أحداث 6 آذار 2025، عادت هذه المشكلة إلى الواجهة مجدداً. أصبحت بعض العائلات تخشى حتى الإعلان عن وفاة أبنائها، فيما لم يستطع آخرون وضع نعوة لموتاهم، خشية السؤال عن سبب الوفاة أو التداعيات الأمنية التي قد تترتب على ذلك، وكأنّ المدينة التي اعتادت الحزن، أصبحت حتى عاجزة عن إعلان أحزانها.
مدينة تستنزف شبابها وذاكرتها
لم تكن الجراح قد التأمت بعد، عندما تزايدت وتيرة حملات الاعتقال والقتل، ما دفع كثيراً من الشباب للهرب، فيما نزحت عائلات بأكملها إلى الخارج. ومع مرور الوقت، تغيّرت التركيبة السكانية، بعدما استقبلت جبلة مهجّرين من مختلف المدن السورية، جاؤوا محدثين واقعاً جديداً في مدينة باتت ثكلى.
وعلى الرغم من المعاناة المستمرة، وصل الطرفان إلى قناعة واحدة: “الجميع خاسر في هذه الحرب”. لكن رغم ذلك، لم يكن لأحد أن يصرّح علناً بهذه الهزيمة، ومع الوقت، نشأ نوع من التعايش القسري بين أبناء المدينة، لا أحد يعلم إن كان ذلك بسبب وعي جمعي، أم مجرّد أمر واقع فُرض عليهم.
سقوط الأسد.. وانتصار بطعم المرارة
عندما سقط نظام الأسد، ودخلت قوات مختلفة إلى المدينة، شعر المظلومون بنشوة نصر تأخّر كثيراً. لكن أوّل ما فعلوه كان تمزيق صور قتلى النظام في شوارع جبلة، ما كسر قلوب أمهات كثيرات، ليبدأ فصل جديد من الحداد.
هذه المرة، ملأت نعوات الضحايا الذين سقطوا منذ 2011 واجهات المدينة. انتشرت صور شبّان في مقتبل العمر، بعضهم فُقد في أقبية الأمن، وآخرون ماتوا تحت التعذيب أو في سجن صيدنايا. لم يكن المشهد انتصاراً كما كان متوقّعاً، بل انفجاراً لحزن متراكم منذ الثمانينات، فُتحت جراحه مجدداً، وأصبح الطرف الآخر هو من يبكي هذه المرّة، لكن بصمت، تحت وطأة الخذلان والخوف من المستقبل.
هكذا، بقيت جبلة مدينة تتّشح بالسواد، وما من شيء قادر على ترميم هذه الجراح المفتوحة.
جبلة عبر التاريخ.. مدينة تصمد رغم الزلازل
تعود جذور جبلة إلى عام 2400 قبل الميلاد، وفقاً للاكتشافات البرونزية في تل التويني، ويُعتقد أن الفينيقيين هم من أسسوها. ورد اسمها في النصوص الأوغاريتية باسم “جبعلا”، وهو مزيج من كلمتي “جب”، التي تعني القبة، و “علا” التي تشير إلى إله الأيل الكبير في الميثولوجيا الفينيقية.
كما تُعد جبلة مدينةً أثريةً بامتياز، إذ تضمّ المدرج الروماني الشهير الذي يعود لعهد الإمبراطور جوستنيان، وقلعة المينقة، ومبنى السرايا، إلى جانب مواقع أثرية أخرى مثل تل جلال، تل التويني، وحمام السلطان.
وخلال العصر الإسلامي، كانت جبلة تعرف بـ “الأدهمية”، نسبة إلى السلطان إبراهيم بن أدهم، أحد أشهر المتصوّفين في القرن الثاني الهجري، والذي بُني مسجد باسمه لا يزال قائماً حتى اليوم بتفاصيله العمرانية الجميلة.
ضربت المدينة ثلاثة زالزل مدمرة، إلا أن أهلها أعادوا بناءها في كلّ مرّة. لكن في آخر زلزال في شباط 2023، ورغم الآلام المشتركة، كان هناك شيء مختلف؛ توحّد الجبلاويون من كافة الطوائف والمناطق، وقدّموا يد العون لبعضهم البعض دون أيّ تمييز ديني أو طائفي، ما أبرز صورة جديدة للمدينة، صورة تحطّم الحواجز التي كانت تفرّقهم، في مشهد من التضامن لم تشهده المدينة منذ زمن طويل.
لكن اليوم، جبلة ليست بحاجة فقط إلى إعادة إعمار بنيانها، بل إلى إعادة ترميم نسيجها الاجتماعي، الذي تمزّق أكثر من أي وقت مضى.
الجبلاويون… تعصّب وثقافة وتاريخ
لطالما كان الجبلاويون يعانون من تعصّبٍ قوي لمدينتهم. لم يكن هذا مجرّد محبّة عادية، بل كان ارتباطاً ثقافياً عميقاً، حيث كان الجبلاويون يتفاخرون بمدينتهم بشكلٍ لافت، ويتعصّبون لنادي كرة القدم الوحيد فيها. كان هناك تعصّبٌ حتى ضد أبناء المدن المجاورة، فكانت الأغنية الشهيرة “إنتو من الجرد ونحن من الساحل” تعبيراً عن هذه الهوية، وكانت تُردد في الأعراس والمناسبات، رغم بساطتها وعدم عمق كلماتها، إلا أنها كانت تجمع أبناء جبلة على حبّ مدينتهم، لتصبح جزءاً من التراث الشعبي للمدينة.
ومع تعصّبهم لأرضهم، لا يزال الجبلاويون يتذكرون تلك اللحظات التي عززت لديهم انتماءهم لمدينتهم، حتى وإن كانت تلك اللحظات مرّت عبر الزمن. كانوا يختلفون في آرائهم، لكن كان من المستحيل على أي “غريب” التدخّل في شؤونهم.
جبلة.. المدينة التي يجب أن تستيقظ من حزنها
أذكر أنني بكيت على كل سوري قُتل في هذه الحرب، لا سيما الجبلاويين منهم، لأنني ابن جبلة، ابن الريف والمدينة. تمنّيت لهذه المدينة أن تنهض مجدداً، لكنها اليوم غارقة في الحزن. تغيّرت الأعلام والصور، لكن لا شيء تغيّر حقاً. سيمضي الوقت، وستُزال الصور، وسنجد أنفسنا مجبرين على مواجهة بعضنا البعض، وسنحطّم الحواجز الوهمية التي تفصل بيننا.
لكن حتى ذلك الحين، علينا جميعاً العودة إلى ذواتنا، لنُدرك فداحة ما ارتكبناه، لعلنا بذلك نمنح الأجيال القادمة فرصةً للحياة بعيداً عن الكراهية والأحقاد، ونترك لهم المجال لإعادة بناء المدينة التي نحبّها… جبلة.
