FPN – سلام العبدلله
تشهد مدينتا الحسكة وكوباني (عين العرب) ومحيطيهما تحوّلات ميدانية متسارعة تضع اتفاق 30 كانون الثاني موضع التنفيذ الشامل، حيث بدأت ملامح الإدارة الموحدة تتبلور عبر دمج الهياكل العسكرية والإدارية والخدمية بين الحكومة الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).
يمثّل هذا المسار الجاري في الحسكة وريف حلب الشرقي ركيزة أساسية لإنهاء الانقسام المؤسساتي، واستعادة سيادة الدولة على الموارد الاستراتيجية، مع التركيز على إعادة بناء الثقة من خلال معالجة الملفات الحقوقية والخدمية العالقة التي تمسّ حياة المواطنين بشكل مباشر.
بدأت الملامح الأولى للاندماج العسكري تظهر من خلال خطوات عملية لتوحيد القوى المسلحة في المنطقة، حيث انطلق العمل على دمج ثلاثة ألوية عسكرية كاملة ضمن ملاك الفرقة 60 التابعة للجيش السوري بقيادة العميد عواد الجاسم، ما يشكّل بداية لإنهاء التعددية العسكرية وتوحيد العقيدة القتالية تحت قيادة مركزية.
في موازاة ذلك، تشهد منطقة ريف حلب الشرقي، وتحديداً في كوباني، عمليات إعادة انتشار واسعة، حيث انسحبت وحدات “قسد” من بلدات استراتيجية وقرى محيطة مثل شيوخ وجلبية وخراب عشق، لتسلّم مواقعها لقوى الأمن الداخلي (الأسايش) بالتنسيق مع جهاز الأمن العام التابع لوزارة الداخلية في الحكومة الانتقالية.
هذا التنسيق الميداني وصل إلى مستويات متقدمة بإنشاء حواجز مشتركة وافتتاح مكاتب أمنية متبادلة لضمان ضبط الاستقرار ومنع أي خروقات أمنية خلال المرحلة الانتقالية.
ملف الطاقة
يمثّل ملف الطاقة العمود الفقري لاتفاق الاندماج، حيث باشرت الفرق الفنية والهندسية التابعة للشركة السورية للنفط (SPC) مهامها في استلام وإدارة حقول النفط الكبرى في ريف الحسكة، ومن أبرزها حقول رميلان والسويدية وكرزيرو. تهدف هذه التحركات إلى تقييم الجاهزية الفنية للمنشآت وخطوط النقل ومحطات المعالجة، تمهيداً لدمج الهيكلية الإدارية لهذه الحقول ضمن وزارة النفط والثروة المعدنية.
من المتوقع أن تنعكس هذه الخطوة بشكل مباشر على تحسين واقع المحروقات والطاقة الكهربائية في عموم البلاد، كونها تضع الموارد الاستراتيجية تحت إدارة موحدة تضمن عدالة التوزيع والاستثمار الأمثل للثروات.
القطاع الصحي
يعتبر قطاع الصحة من الركائز الأساسية التي بدأت لجان الاندماج بالعمل عليها بشكل مكثّف في الحسكة، حيث تم التوجيه بدمج المؤسسات الصحية التابعة للإدارة الذاتية ضمن هيكلية وزارة الصحة في الحكومة الانتقالية. يشمل ذلك توحيد الكوادر الطبية، وتنظيم السجلات الصحية، وضمان تدفق الأدوية والمستلزمات الطبية عبر القنوات الرسمية.
في خطوة مهمة، بدأت مديرية صحة الحسكة باستقبال طلبات الموظفين والعمال الذين تعرّضوا للفصل التعسفي سابقاً لأسباب سياسية، لإعادتهم إلى ملاكاتهم الوظيفية واستعادة حقوقهم، ما قد يعزز ثقة الكوادر المهنية في عدالة المسار الانتقالي ويضمن تشغيل المنشآت الطبية بكفاءة عالية بعيداً عن التجاذبات السياسية.
الخدمات المدنية والملفات الحقوقية
على الصعيد المدني، حقق ملف الاندماج خرقاً هاماً في قضايا الهوية والعدالة الاجتماعية، حيث بدأت اللجان المختصة في مبنى محافظة الحسكة بدراسة آليات تنفيذ المرسوم الرئاسي القاضي بمنح الجنسية السورية للمواطنين الكرد، وهو ما ينهي عقوداً من التهميش القانوني.
بالتوازي مع ذلك، شهد قطاع البريد والاتصالات تحرّكات رسمية لتسلّم المؤسسة العامة للبريد في الحسكة، بهدف إعادة تفعيل الخدمات البريدية وتنظيم عمليات صرف رواتب الموظفين والمتقاعدين عبر القنوات المصرفية الرسمية.
كما تم فتح المحاور الطرقية الرئيسية لتسهيل حركة المدنيين والتجارة، بالتزامن مع العمل على ملف المعتقلين والمفقودين كجزء من إجراءات بناء الثقة بين كافة المكونات.
ملف التعليم
رغم التقدم الكبير في قطاعات النفط والصحة والخدمات، لا يزال ملف التعليم والمناهج الدراسية يمثّل التحدي الأبرز في مسار الاندماج، حيث لم يتم التوصل بعد إلى صيغة نهائية توفّق بين المناهج الحالية واشتراطات الاعتراف الوطني والدولي، وهي قضية تخضع لنقاشات فنية وتربوية معمّقة.
كما يلاحظ أن عمليات الاندماج تتركّز حالياً في مدينة الحسكة وريفها وريف كوباني، بينما لا تزال مدينة القامشلي في مرحلة التحضير الإداري، حيث يقتصر الوجود الحكومي فيها حالياً على النقاط السيادية، كالمطار والمربع الأمني، بانتظار استكمال الترتيبات الفنية لتعميم نموذج الاندماج الناجح في الحسكة على باقي المناطق الشمالية الشرقية.
