FPN – ريم سالم
منذ أكثر من عقد، تعيش سوريا واحدة من أسوأ الأزمات السياسية والعسكرية في تاريخها الحديث، بعدما تحوّلت الثورة الشعبية إلى ساحة صراع بين القوى الإقليمية والدولية، ومع تراجع دور بعض الفصائل المسلحة، برز زعيم هيئة تحرير الشام، احمد الشرع (أبو محمد الجولاني) كشخصية محورية في المشهد السوري، حيث استطاع بسط سيطرته على إدلب وشمال غرب سوريا، ليفرض نفسه أمراً واقعاً على السوريين هناك.
على الرغم من السيطرة الأمنية التي فرضها في مناطق حكمه، إلا أن تلك المناطق شهدت بشكل متكرر تحرّكات مجتمعية رافضة لطريقة إدارته وبعض السياسات التي كان ينتهجها، فخرجت مظاهرات تطالب بإنهاء حكمه، ينادون فيها: “جولاني ولاك، ما بدنا ياك”. لكن تم التعامل معها بقسوة، ورُصد عدد من الانتهاكات بحقّ معارضيه سواء في طريقة الاحتجاز وأماكن الاعتقال، وتمت الإشارة مراراً إلى “سجن العقاب” كأبرز الأماكن التي تم فيها تسجيل انتهاكات، فيما نفت الهيئة ذلك.
لكنّ التحوّلات الأخيرة أدّت إلى مفاجأة غير متوقعة؛ الشرع (الجولاني) أصبح رئيساً لسوريا بعد توافقات غير معلنة بين الفصائل المسلحة، مخيّباً بذلك آمال شريحة من السوريين الذين كانوا ينتظرون اتخاذ مثل هذه القرارات بعد مؤتمر الحوار الوطني الجامع، فكيف حدث ذلك؟ وما تداعيات هذا الحدث على مستقبل سوريا؟
من مقاتل في القاعدة إلى رئاسة سوريا
لطالما كان الشرع معروفاً بقدرته على التكيّف مع المتغيّرات، فمنذ أن قاد جبهة النصرة كفرع لتنظيم القاعدة في سوريا، إلى أن أعلن فكّ ارتباطه بالتنظيم وتحويلها إلى هيئة تحرير الشام، كان يسعى إلى تعزيز سلطته بطرق مختلفة، سواء بالقوة العسكرية أم باللعب على التوازنات الدولية.
مع ضعف المعارضة السياسية وتشرذم الفصائل المسلحة، استطاع الجولاني تقديم نفسه كـ”خيار الضرورة”، مدعياً أنه الوحيد القادر على إدارة البلاد، خاصة في ظل استمرار العقوبات الدولية والتدخلات الخارجية. وبدعم من بعض القوى الإقليمية، تمكّن من فرض سيطرته في غياب أي منافس حقيقي، بل مجرد شخصيات محسوبة عليه.
لم يكن تنصيب الشرع رئيساً للمرحلة المؤقتة عملية ديمقراطية، بل جاء بعد سلسلة من التوافقات بين الفصائل المسلحة، التي إما أُجبرت على دعمه أو تم استقطابها مقابل وعود بمكتسبات مالية أو سياسية. فمنذ سنوات، اعتمد الجولاني سياسة “المركزية” وذلك عبر إنشاء غرف عمليات مركزية تحت قيادته ومن الفصائل الموالية له فقط مستبعداً باقي القوى.
كيف فرض الشرع نظاماً أحادياً؟
بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، برز أحمد الشرع كأقوى شخصية مسيطرة على المشهد السوري، معلناً نهاية استبداد نظام الأسد، وتعهّد بإطلاق حوار وطني شامل لبناء نظام حكم جديد في سوريا. لكن الممارسات الفعلية لهيئة تحرير الشام، التي باتت تشكل النواة السياسية والعسكرية للنظام الجديد، كشفت عن تناقض جوهري بين خطابات الشرع وطريقة حكمه، فبعد سيطرة هيئة تحرير الشام على دمشق، خرج الشرع بخطاب متلفز قال فيه: “لقد طوينا صفحة الديكتاتورية، وانتهى عهد الاستبداد، وسوريا الجديدة ستكون لجميع أبنائها، دون تمييز أو إقصاء”. لكن بعد فترة قليلة، بدأت يظهر ما يخالف ذلك، وتعرّض سلوك حكومته لانتقادات واسعة.
على الرغم من وعود الشرع بالحوار، إلا أن اللقاءات التي عقدها اقتصرت على شخصيات مختارة بعناية، مهمشاً بذلك المعتقلين/ات وعائلاتهم والكتل السياسية، وتم استبعاد هؤلاء من المشهد السياسي، وجرى استبدالهم بشخصيات موالية لهيئة تحرير الشام، ما أدى إلى تهميش تام لطيف واسع من المعارضة.
لم يكن الشرع ليحكم سوريا دون القوة العسكرية، حيث حافظ على ميليشياته كأداة لإخضاع المجتمع، وأصبح الجيش السوري الجديد تحت قيادته يعتمد على مقاتلين سابقين من الفصائل المسلحة، ما جعله أكثر ولاءً لشخصه من كونه مؤسسة وطنية.
أيضاً استغلّ الفقر النتشر في سوريا لإحكام سيطرته على البلاد واحتكار الموارد، وأدت سياساته الاقتصادية إلى ارتفاع معدلات الفقر في ظل اعتماد الجزء الأكبر من السكان على المساعدات التي تتحكم بها حكومته، ليصبحوا تحت رحمته، وأبقى سيطرته على المعابر التجارية والموارد، وفرض رسوماً جديدة على كل شيء، من التجار إلى المزارعين، وحتى على المساعدات الإنسانية، دون وجود حدٍّ أدنى من الشفافية في هذه الإجراءات.
كما عملَ على “تلميع صورته” من خلال إجراء لقاءات مع صحافيين غربيين، وحاول الظهور بمظهر القائد المتزن والمعتدل، كما سمح بإنتاج تقارير إعلامية تُظهر “إنجازاته” الاقتصادية والسياسية، رغم أن الواقع يناقض ذلك، ولم يغفل عن استغلال وسائل التواصل الاجتماعي للترويج لفكرة أن “سوريا الجديدة” أصبحت أكثر استقراراً في ظل حكمه.
تفاوتت ردود الفعل الدولية على مجريات الأحداث في سوريا، لكن، ورغم ماضيه في الجماعات الجهادية، بدأت بعض الدول تنظر إلى الشرع كخيار “أقل سوءاً” مقارنة بالنظام السوري، خاصة أنه قدم نفسه كشريك في “مكافحة الإرهاب”. لكن في المقابل، لم يحظَ باعتراف دولي رسمي، حيث أزيلت بعض العقوبات الاقتصادية، وتم الإبقاء على أخرى كورقة ضغط، كما أبدت بعض الدول تحفظاتها بسبب بعض المخاوف التي اعتبرتها تهديداّ لأمنها.
أدوات الشرع لزيادة شعبيته
عندما اندلعت الثورة السورية، كان أحد أهدافها الأساسية إسقاط الديكتاتورية وبناء دولة ديمقراطية وحرّة، وعقب الإطاحة بنظام الأسد، ووصول الشرع لسدة الحكم، عبّر كثيرون على منصات التواصل الاجتماعي عن تأييدهم له، وازداد عدد مؤيديه، حتى بين الشخصيات العامة والثقافية والسياسية، وصوّرت بعض وسائل الإعلام الشرع على أنه قوة فعّالة في مواجهة الخطر المحدق بالسوريين، ما أسهم في تعزيز صورته كقائد.
على الجانب الآخر، هناك قلق عميق من أن يؤدي “التطبيل” للشرع إلى تعزيز هذه الأزمات، إذ يبرز منتقدو هذا السلوك بعض المخاوف من أن هذا التركيز على شخصية واحدة يمكن أن يعيد خلق نظام سلطوي جديد ويعيد إنتاج شكل آخر من الاستبداد مع تهميش أصوات أفراد أو حركات سياسية تحمل أجندات مختلفة.
قد يكون مفهوماً لدى البعض أن دعم الشرع قد يأتي في سياق البحث عن الأمن والاستقرار، لكن، ومن جهة أخرى، تعتمد الرؤية لمستقبل سوريا على بناء قوى تتجاوز الأفراد، وتؤسس لمؤسسات قوية تعكس تطلعات جميع السوريين، أي لا بدّ من إيجاد توازن بين دعم القادة والاحتفاظ بحقوق ورؤى باقي القوى من جهة أخرى.
مثّلت الصور العلنية التي يظهر فيها الشرع جزءاً من بناء صورته الجديدة في المجتمع السوري؛ من بين تلك الصور كانت رحلته لأداء العمرة مؤخراً واحدة من اللحظات التي أثارت كثيراً من النقاشات بين السوريين. حين يُرى الشرع وهو يؤدي هذه العبادة، يحمل ذلك دلالات عدة. يراها البعض تعبيراً عن ارتباطه بالله واهتمامه بإحياء الجانب الروحي وسط الصراعات. تصويره وهو يؤديها يمكن أن يكون مدعاة لفخر البعض، ولا سيما من يرون فيه شخصية جهادية تسعى لتأكيد مبادئها الدينية وتعزيز شرعيتها، ليصبح عند البعض مثالاً يجب الاقتداء به. في المقابل، قوبل هذا الظهور بسخرية وانتقادات من قبل آخرين، حيث اعتبر البعض أن هذا التوجّه غير متّسق مع أفعاله السابقة في سياق الصراع السوري، في إشارة إلى الانتهاكات والجرائم التي ارتكبها خلال السنوات الماضية.
تمثل صورة الشرع في العمرة نقطة مهمة في فهم كيفية استغلال الرمزية الدينية لتعزيز الصورة العامة. تعكس ردود الأفعال المتباينة حول هذه الصورة التنوع في الآراء والأحاسيس داخل المجتمع السوري، ما يجعلها مرآة تعكس التحديات والاختلافات في الرؤى ضمن سياقات الواقع السوري.
ذات الشيء ينطبق على ركوب الخيل، الذي يعدّ في الثقافة السورية والعربية رمزاً للقوّة والشجاعة، لذلك فإن ظهور الشرع وهو يمتطي حصاناً يعزز صورته كقائد ثوي قادر على الدفاع عن الوطن، ما يزيد من شعبيته، وسرعان ما انتشرت بعض العبارات والأهازيج التي تتغنى به.
تُعتبر خطابات الشرع إحدى الأدوات الأساسية التي استخدمها جيداً لبناء قاعدة جماهيرية أوسع، إذ تتميّز بلغة تحثّ على الوحدة والعمل الجماعي في مواجهة التحديات، ويعتمد أسلوبه على البساطة، ما جعلها تُقابل بتفاعل سريع، وخاصة على منصات التواصل الاجتماعي، كذلك تركّز على معاناة الشعب وتعكس آمالهم، ما يؤدي إلى خلق حالة من التعبئة العاطفية، ويُظهر المؤيدون حماسهم بانطباعات تدعم الرئيس الجديد وتزيد من زخم تأييده، بغض النظر عن تطبيق ما يرد في تلك الخطابات أو لا.
باختصار، أسهم استخدام الشرع لبعض الرمزيات وأسلوبه الخطابي القوي في تعزيز مكانته في ذهنية بعض السوريين، وهذا التأييد قد يعكس رغبة الكثيرين وآمالهم في تحقيق الاستقرار والأمن في بيئة مليئة بالصراعات، ومع ذلك، يجب علينا أن نطرح تساؤلات حول كيفية تأثير ذلك على مستقبل سوريا من أجل التعامل مع القضايا الأكثر إلحاحاً، وعن مدى تقبّل السوريين للقرارات التي تم اتخاذها، خاصةً وأنها اتُّخذت دون مشاورات مع أي طرف سياسي آخر.
