صورة من الأرشيف لعناصر من الأمن العام
سلام العبدالله
لم يكَد السوريون يلتقطون أنفاسهم بعد عقود من حكم نظام الأسدين الأب والابن، منها أربعة عشر عاماً من القتل والقصف والموت والاعتقال والتهجير، حتى دخلت البلاد مجدداً في دوّامة عنف جديدة، فسقوط النظام، الذي كان يُفترض به أن يكون لحظة فاصلة نحو العدالة والاستقرار، فتح الباب أمام فراغ سياسي وانفلات أمني وصعود منطق السلاح والطائفية من جديد، في مشهد يعكس فشل السلطة الجديدة في ضبط المرحلة الانتقالية وتحويلها إلى مسار آمن للدولة والمجتمع.
أظهرت الأشهر الأولى بعد سقوط النظام هشاشة البنية الأمنية وضعف قدرة مؤسسات الدولة الجديدة على احتواء الفصائل المسلحة التي جرى دمجها شكلياً ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، دون إخضاعها فعلياً لمنظومة انضباط ومساءلة. تحقيق أجرته وكالة رويترز كشف تفاصيل صادمة عن المجازر التي طالت المدنيين العلويين في مناطق الساحل السوري خلال آذار 2025، إذ خلص إلى أن ما يقارب 1500 علوي سوري قُتلوا خلال أيام قليلة، إضافة إلى عشرات المفقودين، مع توثيق تسلسل قيادي يصل من المنفذين الميدانيين إلى شخصيات تعمل جنباً إلى جنب مع حكام سوريا الجدد في دمشق، ما يشير إلى مسؤولية سياسية وأمنية مباشرة عن هذه الجرائم الواسعة.
التحقيق أكّد تورّط فصائل مسلحة متطرّفة انضمت حديثاً إلى صفوف القوات الحكومية، من بينها فرقة السلطان سليمان شاه وفرقة الحمزات، اللتان فرض الاتحاد الأوروبي لاحقاً عقوبات عليهما بسبب ضلوعهما في أعمال القتل، في حين لم تُفرض أي عقوبات على وحدات أخرى كانت تتبع سابقاً لهيئة تحرير الشام، كذلك لم تتّخذ الولايات المتحدة أي إجراءات عقابية تتعلّق بتلك المجازر، ما عزّز شعور الضحايا بإفلات مرتكبي الجرائم من العقاب.
أمام الضغط الشعبي والإعلامي أعلن الرئيس الانتقالي أحمد الشرع عن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق في أحداث الساحل، إضافة إلى لجنة عليا للحفاظ على السلم الأهلي، غير أن عمل اللجنتين بقي محدود التأثير، وسط شكوك عميقة حول استقلاليتها وقدرتها على الوصول إلى الحقيقة، في ظل بقاء البنية الأمنية ذاتها تقريباً واستمرار نفوذ الفصائل المسلحة داخل مفاصل الدولة.
في تموز 2025، انفجر المشهد الأمني مجدداً في الجنوب السوري، حيث شهدت محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية واحدة من أكثر المجازر وحشية. بدأت الأحداث باعتداء وسلب على حاجز غير حكومي تديره مجموعة بدوية مسلحة، أعقبه مسلسل من عمليات الخطف المتبادل بين فصيل درزي محلي وأبناء العشائر، قبل أن تتدخل القوات الحكومية بذريعة ضبط الأمن، إلا أن هذا التدخل، بحسب شهادات ناجين وتقارير حقوقية، لم يكن حيادياً، بل اتخذ طابعاً عدائياً مباشراً ضد المجتمعات الدرزية، وتحوّل إلى حملة عسكرية منظمة شملت إعدامات ميدانية، وإحراق للمنازل والبساتين ونهب الممتلكات.
بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان وتقارير حقوقية محلية، بلغ إجمالي عدد القتلى منذ 13 تموز أكثر من 2050 قتيلاً، بينهم 731 من أبناء محافظة السويداء (162 مدنياً بينهم 21 طفلاً و51 امرأة) خلال الأيام الأولى فقط، إضافة إلى 477 عنصراً من وزارة الدفاع والأمن العام. كما قُتل 15 عنصراً جرّاء غارات إسرائيلية، وثلاثة أشخاص بقصف استهدف مبنى وزارة الدفاع، واثنين من الإعلاميين خلال تغطية الاشتباكات.
كما وثقت التقارير لاحقاً تنفيذ إعدامات ميدانية بحق 817 مدنياً درزياً، بينهم نساء وأطفال ومسنون، فضلاً عن مقتل 20 شخصاً من الكادر الطبي داخل المشفى الوطني في السويداء. وفي المقابل، قُتل عدد غير محدد من أبناء العشائر البدوية في عمليات انتقامية نفذها مسلحون دروز.
تكشف هذه الأحداث أن الطائفية لم تكن مجرد انعكاس لفوضى السلاح، بل أداة سياسية لتثبيت النفوذ بالقوة وإخضاع المناطق غير الخاضعة بالكامل للدولة. وبين مطرقة السلطة الجديدة وسندان الصراعات الإقليمية، وجد الدروز والعلويون أنفسهم وقوداً لصراع تتداخل فيه الحسابات المحلية والإقليمية، بينما تواصل إسرائيل ضرباتها للمواقع السورية، ما يزيد من فوضى المشهد الأمني.
على المستوى السياسي، وقّع رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع في 10 آذار 2025 اتفاقاً مع قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، ينص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة الجديدة، وضمان حقوق جميع السوريين، ورفض مشاريع التقسيم. خلافاً لوصف الاتفاق بالتاريخي حينها، إلا أن تطبيقه يواجه عراقيل جدية حتى اليوم، نتيجة تصاعد الخلاف حول اللامركزية، وتحذيرات دمشق لقوات قسد من السعي إلى تكريس الحكم الذاتي.
على الرغم من هذه المسارات، لا تزال سوريا عملياً مقسّمة أمنياً، وتعيش حالة انتشار واسع للسلاح خارج نطاق الدولة، ووجود قواعد أجنبية، وانفلات أمني بالنظر إلى انتشار جرائم الخطف والقتل، فضلاً عن استمرار الأزمة الاقتصادية التي تزيد من احتمالات الاضطرابات، إذ تشير التقديرات إلى أن البلاد مقبلة على موجات من الاحتجاجات السلمية ذات الطابع المعيشي والسياسي، ستكون بدورها تحدياً كبيراً للإدارة الجديدة خلال المرحلة الانتقالية.
يضاف إلى ذلك غياب آليات فعّالة لمساءلة المتورطين في الانتهاكات والجرائم، وعدم إحراز أي تقدّم في ملف المفقودين والمعتقلين الذين ما يزال مصير الآلاف منهم مجهولاً، كما لم تتبلور حتى الآن أي آلية واضحة للمحاسبة وتحقيق العدالة الانتقالية، الأمر الذي يهدد بترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب ويجعل إمكانية المصالحة المجتمعية أكثر هشاشة وتعقيداً.
يظهر الواقع الأمني في سوريا ما بعد سقوط نظام الأسد هشّاً، قائماً على توازنات السلاح لا على سلطة القانون، ومثقلاً بإرث من العنف والإفلات من العقاب، ودون محاسبة حقيقية للمتورطين في الجرائم، ومع غياب آليات العدالة الانتقالية، واستمرار الفوضى المسلحة، يبدو أن سوريا ستبقى خلال الفترة القادمة عالقة في حلقة مفرغة من عدم الاستقرار مهما تبدلّت الوجوه أو تبدلّت الشعارات.
