FPN – نور سليمان
بعد مرور أشهر على سقوط نظام الأسد، بدأت تتكشف تدريجياً بعض ملامح المرحلة السوداء التي طُمرت في باطن الأرض، حرفياً ومجازياً. المقابر الجماعية؛ التي لطالما كانت مجرّد روايات متفرّقة، باتت اليوم جزءاً من الواقع الذي يواجهه السوريون العائدون إلى منازلهم، أو الفرق المحلية التي وجدت نفسها في مواجهة هذا الملف المعقّد دون دعم مؤسساتي كافٍ.
بين الجثث.. كيس لأطفال وأسماء لا تزال تقاوم النسيان
عثرت فرق الاستجابة المختصة على ثلاث مقابر جماعية جديدة في قرية الترنبة الواقعة في محيط مدينة سراقب بريف إدلب، ضمن منطقة كانت سابقاً تحت سيطرة قوات النظام السابق، ووفق المعلومات الأولية، فإن إحدى هذه المقابر تضم ثلاث جثث، بينها جثة لطفل أو طفلة، قُتلوا جميعاً على يد قوات النظام.
فيما لا تزال أعمال الحفر والبحث جارية في محيط المقابر المكتشفة، وسط توقعات بالعثور على جثث أخرى، تواصل الفرق المختصة عملياتها الميدانية، وبدأت التحقيقات الأولية لجمع الأدلة وتحديد هويات الضحايا، بالتعاون مع عائلات المفقودين والجهات المتخصصة في التوثيق الجنائي.
هذا الاكتشاف يعيد التأكيد على الحاجة الملحّة لتوثيق الجرائم والانتهاكات المرتكبة خلال سنوات القمع، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، في سبيل تحقيق العدالة للضحايا وذويهم.
“أرض قاسية.. وكيس أطفال”
بحسب ثلاثة شبان من الغوطة الشرقية، وأثناء تفقدهم أحد مواقع النظام السابق، ضربوا أيديهم بالأرض بالقرب من أحد الحواجز، وشعروا بأن الأرض تحتهم كانت صلبة بشكل غير طبيعي. حفروا قليلًا، ورفعوا حجراً كبيراً ليكتشفوا تحته مشهداً مفزعاً: رفات أربعين إنساناً، موضوعة داخل “أكياس خيش”.
كانت الجثث مصنّفة بالأسماء: شباب، نساء، وأطفال. كيسٌ واحدٌ فقط احتوى على بقايا عشرة أطفال، ومكتوب على كل كيس اسم الضحية.
الشباب أجروا تفتيشاً أوسع في الموقع، ليكتشفوا أن الأرض من حولهم ممتلئة بالحفر، والموتى موضوعون في أكياس، كأنما أراد قاتلوهم إخفاءهم بصمت. أحدهم تعرّف إلى جثة تعود لابن قريته. حمل الكيس على ظهره، ومضى به إلى عائلته، ليسلّمهم ما تبقى من جسد فقيدهم.
الدفاع المدني: شهادات بدل الأدلة.. ولا حماية رسمية للمقابر
في حديث خاص لشبكة الصحافة الحرة، يروي عضو إدارة مجلس الدفاع المدني السوري، عمار السلمو، تفاصيل الواقع الميداني للتعامل مع المقابر الجماعية والرفات المنتشرة في أنحاء مختلفة من البلاد، في ظل غياب جهة وطنية مختصة أو آليات عمل رسمية لحماية المواقع أو توثيق الجرائم.
يؤكد السلمو أنّ الدفاع المدني لم يقم بفتح أي مقبرة جماعية بشكل مباشر حتى الآن، بل يتدخل فقط بعد تلقي البلاغ من المدنيين.
“نحن نتعامل مع ما هو ظاهر بالفعل”، يقول، مضيفاً أن الفرق توثّق الموقع، تأخذ العينات، وتسلّمها لمركز مختص في دمشق.
على الرغم من حساسية هذه المواقع، إلا أن السلطات لم تصدر أي تعليمات واضحة لحمايتها، ما يجعلها عرضة للعبث، ويعرّض كثيراً من الأدلة المحتملة للفقدان، كما أن الدفاع المدني يعاني من نقص الكوادر والخبرات في علم الآثار والطب الشرعي، فضلاً عن غياب المختبرات وسجلات الضحايا.
حتى الآن، وثّق الدفاع المدني أكثر من خمسين موقعاً يُشتبه بأنها مقابر جماعية، بعضها تم اكتشافه بالصدفة خلال حفر آبار أو بعد عودة الأهالي للمناطق التي نزحوا منها، وبعضها الآخر يقع قرب مواقع عسكرية أو حواجز أمنية تابعة للنظام السابق.
الحاجة إلى عدالة… ومقبرة لمجهولي الهوية
يشدد السلمو على الحاجة العاجلة لتأسيس هيئة وطنية مستقلة، تضم خبراء ومؤسسات وطنية ودولية، تتولى إدارة الملف، وتستخدم تقنيات متقدمة كالطائرات المسيّرة، الكاميرات الحرارية، وتحليل الحمض النووي، لافتاً إلى وجود قسم دعم نفسي داخل الدفاع المدني، باتت أهميته تزداد في التعامل مع أهالي الضحايا منذ الزلزال الأخير.
الرفات تُدفن “وفق الشريعة الإسلامية” بعد أخذ العينات، لكن في بعض الحالات لا تتم عملية الدفن لعدم اكتمال الجثة، ويملك الدفاع المدني مقبرة مخصصة للجثامين المجهولة الهوية، تبقى مفتوحة على أمل أن يُعيد التعرف إليها لاحقاً بعضاً من عدالة مفقودة.
مديرة منظمة “ريليزمي”، ثريا حجازي، تقول لشبكة الصحافة الحرة: “كشف المصير ليس نهاية المسار، بل بدايته نحو عدالة لا تُختزل بفتح المقابر الجماعية”.
توضح حجازي أن المقابر الجماعية تُشكّل جزءاً أساسياً من عملية كشف المصير، لكنها ليست البداية. وتردف: “كشف المصير لا يبدأ من لحظة فتح المقبرة، بل من اللحظة التي فُقد فيها الشخص. نحتاج أن نعرف ماذا حدث معه، كيف عاش تجربة الاعتقال، ما تعرّض له من تعذيب، من الجهة التي أشرفت على احتجازه، ومن المتورطون في هذه الانتهاكات. هذه سلسلة مترابطة من الوقائع يجب أن تُوثّق بدقة، لتُفضي في نهايتها إلى تسليم الجثامين بعد تحليل الحمض النووي. أما تسليم الرفات دون معرفة ما حصل، فهو يعني أن الحقيقة ما تزال ناقصة”.
تُضيف حجازي: “هناك مؤسسات دولية تملك ملفات مهمة، مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤسسة “تريبال إي إم”، ولجان التحقيق الأممية. المقابر الجماعية دليل على ارتكاب الجرائم، لكن هناك أدلة أخرى لا تقل أهمية: شهادات الشهود والناجين، والوثائق التي جمعتها الحكومة الحالية أو جهات دولية. هذه العناصر معاً تشكّل صورة الحقيقة، وأي نقص فيها يُبقي الحقيقة مبتورة”.
فيما يتعلّق بالمتورّطين، تشير حجازي إلى معضلة مستمرة، إ “ما يزال بعض الجناة داخل سوريا، بعضهم اعتُقل لفترة ثم أُطلق سراحه، وبعضهم تمت تصفيته. هؤلاء ليسوا فقط متورطين، بل مصادر معلومات مهمة. تجاهلهم هو تفريط بحقائق كان يمكن أن تُنير الطريق نحو العدالة”.
رسائل الوقفات: الحقيقة الكاملة لا أنصافها
حول الوقفات التي ينظّمها مجتمع أسر وضحايا الإخفاء القسري و”ريليزمي” تقول حجازي: “رسائلنا واضحة: نطالب بكشف مصير شامل لا مجتزأ، ونطالب الحكومة بخطة واضحة وبالتعاون مع المؤسسات الدولية ذات الولاية، مثل المؤسسة المستقلة لكشف المصير. هذه ليست مهمة محلية فقط، بل دولية، ومعقّدة، ومكلفة، والحكومة الحالية لا تملك الخبرة اللازمة. لذا نطرح مبدأ الشراكة: إرادة الأهالي، خبرات المنظمات الحقوقية، ودعم المجتمع الدولي. هذا هو السبيل الوحيد لتحقيق الهدف الذي نعمل من أجله”.
تشرح حجازي جذور “مجتمع أسر وضحايا الإخفاء القسري”، فتقول: “بدأنا من نواة صغيرة في شمال غرب سوريا قبل سقوط النظام السابق، وكان التواصل محدوداً مع بقية المناطق. بعد التغيير، بدأنا كأهالي وأصدقاء مفقودين، واليوم، نبني بنية أفقية واسعة بامتداد جغرافي في مختلف المحافظات، حيث يُنتخب منسقو الفرق من كل منطقة. نعمل من الأطراف إلى المركز، ومن المركز إلى الأطراف، لأننا نؤمن بأن هذا العمل يجب أن يكون بقيادة الأسر وهم الأكثر قدرة على الاستمرار به مهما طال الزمن”، وتؤكد: “مجتمع الأسر هدفه الضغط على الحكومة لأننا نعلم أنها لا تُظهر جدية تجاه هذا الملف، ولا نقبل أن يكون في ذيل الأولويات. لا يمكن بناء سوريا جديدة دون كشف الحقيقة والعدالة للضحايا.”
النساء في الواجهة والصدمة مستمرة
تُشدّد حجازي على أن العائلات، وخاصة النساء، هنّ الأكثر التزاماً بالقضية: “نعرف دائماً أن أصحاب القضية هم الأكثر أمانة لها. من نراهم في الوقفات، من ينظّمون، من لا يتعبون، هم الأهالي، ومعظمهم من النساء. النساء يتحرّكن بدافع الأمومة، الأخوة، الإيمان بالحقيقة، ولهنّ دور أساسي في هذه المسيرة”.
تتابع: “نعم، هناك عبء نفسي هائل. كثيرون يقولون إن ‘من لم يظهر، فقد مات، لكنهم يعانون مما يُسمّى الفقدان الغامض، وهو أكثر ألماً من الموت المؤكّد. أحياناً يُساعد الإيمان، فيقولون: ‘احتسبناهم عند الله شهداء’، لكنهم لا يكتفون بذلك، بل يطالبون بالحقيقة، يريدون أن يعرفوا ماذا حصل، ولماذا، ومن المسؤول”.
أما حول الجهد النفسي والاجتماعي، توضح حجازي: “نحاول ربط العائلات بجمعيات تقدم دعماً نفسياً. وفي مجتمع الأسر، نعقد لقاءات دورية تتيح للأهالي أن يتفاعلوا، يتحدثوا، يواسي بعضهم بعضاً، يحزنون ويفرحون سوياً. نشأ مجتمع الأسر من هذا التفاعل، من الوقفات، من الألم المشترك، واليوم نريد توسيعه ليشمل نشاطاً أوسع وضغطاً أكبر”.
فجوة بين الداخل والخارج: ردمها ضرورة
تقول حجازي: “الكثير من العائلات كانت تعيش في مناطق سيطرة النظام السابق، واليوم هناك فجوة كبيرة، سواء من حيث المعرفة أو من حيث الشعور بالأمان للتحدث. نحن نحاول ردم هذه الفجوة عبر تشجيعهم على الانخراط، ومساعدتهم على تجاوز الخوف”.
كذلك تطرّقت حجازي في حديثها لشبكة الصحافة الحرة إلى الفرق بين الحراك الشعبي والتوثيق: “نحن في ‘ريليزمي’ ومجتمع الأسر، لا نجمع الأدلة أو الشهادات بشكل فردي. هذه مهمة جهات متخصصة مثل الدفاع المدني، رابطة معتقلي صيدنايا، وجهات حقوقية أخرى. دورنا هو بناء الحراك، خلق الزخم، وتحويل مطالب الأهالي إلى ضغط منظم له صوت وشرعية”، وتختم بالقول: “نحن لا نطلب المستحيل. نطلب الحقيقة. لا نريد نصف عدالة، ولا عدالة صورية. نريد عدالة تبدأ من صوت الضحايا، لأن أي مسار لا يأخذ صوتهم في الحسبان لن يكتمل”.
