FPN – سما المحمد
تستمر العملة المحلية بالتأرجح أمام العملات الأجنبية مع ميل نحو الهبوط خلال الأسابيع الأخيرة، في ظلّ ارتفاع معدّل التضخم وغياب القدرة على تحسين الاقتصاد السوري بعد الانهيار الذي عانى منه لسنوات، ويبدو أن الجهود لتحسين سعر صرف الليرة -إن وجدت- لم تحقق أيّ نتائج ملموسة حتى الآن، وذلك في الوقت الذي يعاني فيه المواطنون من ارتفاع مستمر في الأسعار وتردي الأوضاع المعيشية رغم الوعود الكثيرة بتحسينها بعد سقوط نظام الأسد وتشكيل الحكومة الانتقالية، فهل ستستمر الليرة بالتدهور أمام العملات الأجنبية؟ وما هي الاحتمالات للنهوض بالاقتصاد السوري؟
نتيجة حتمية
ما وصلت إليه الليرة السورية منذ عام 2011 وحتى اليوم هو مسار طبيعي إذا ما أخذنا بعين الاعتبار العوامل المرافقة له من صراعات مسلحة والعقوبات التي فُرضت على سوريا، بالإضافة للتدخلات الإقليمية في البلاد والسياسات النقدية للحكومة السابقة، وبعد سقوط النظام لم تفلح السياسات الجديدة في تحسين سعر الصرف.
الباحث والأكاديمي، مقدام البربور، يقول لشبكة الصحافة الحرة إن ارتفاع سعر الصرف ليس حدثاً مفاجئاً، بل هو “نتيجة منطقية لمسار طويل من التدهور الاقتصادي وفقدان الثقة بالعملة الوطنية”.
يعتبر البربور أن النقود في الاقتصاد الحديث تستمد قيمتها من ثقة الناس بها ومن قوة الاقتصاد الذي يقف خلفها، ويضيف: “سعر الصرف هو أحد أهم مسؤوليات البنك المركزي فاستهداف التضخم يشكّل السياسة المعلنة لأغلبية البنوك المركزية في العالم، إلا أن قدرته على التدخل محدودة جداً في سوريا لأنه لا يمتلك الأدوات النقدية الكافية للتحكم بالسيولة واستهداف التضخم كما تفعل البنوك المركزية في الدول المستقرة”.
أثر رفع العقوبات
شكّلت العقوبات التي فُرضت على النظام السابق في السنوات الماضية عقبة كبيرة أمام النمو الاقتصادي وعمليات الاستيراد والتصدير وتحريك العملة المحلية. في الأشهر الأخيرة، وبعد الإعلان عن رفع أو تعليق بعض تلك العقوبات لم يطرأ أي تحسن في الوضع الاقتصادي، والسبب في ذلك بحسب البربور يعود إلى أنه -وبالرغم من الحديث عن تفاهمات ورفع بعض القيود الخارجية- إلا أن القطاع المصرفي غير مهيّأ بما يكفي لإدارة السياسات النقدية بكفاءة، ويوضح: “الدليل على هشاشة الوضع النقدي هو الفجوة بين السعر الرسمي والسعر المتداول في السوق، فالأخير هو الذي يبين حقيقة العرض والطلب”.
يبلغ سعر صرف الدولار الأمريكي اليوم في السوق الموازية 12000-12100 ليرة (أكثر بنحو ألف ليرة من السعر الرسمي)، وذلك بعد أن استقر لأشهر عند ما يقارب 10400 ليرة. يشبّه البربور ما يحدث في سوريا بما حدث في ليبيا بعد سقوط القذافي، إذ ساد التفاؤل في البداية ما سمح للعملة الليبية (الدينار) بالحفاظ على قيمته، ولكن مع مرور الوقت وغياب دور المؤسسات القادرة على إدارة الاقتصاد، بالإضافة للانقسامات السياسية، فقد البنك المركزي سيطرته رغم وجود صادرات النفط واحتياطات ضخمة، وفي النهاية ارتفع الدولار إلى نحو خمسة أضعاف القيمة السابقة له مقابل الدينار، ما يعني أن وفرة الموارد لا تكفي إذا انهارت الثقة وضعف دور المؤسسات.
الاقتصاد السوري بين الوعود والواقع
علّق الشعب السوري آمالاً كبيرة بعد سقوط نظام الأسد، خاصة بعد الانفتاح على العالم وعودة العلاقات الدولية والإقليمية وبدء الاستثمارات في مجالات الطاقة وغيرها، إلا أن هذه التغيرات لم تترافق مع تغيّر حقيقي وتحسّن في الاقتصاد السوري، بل على العكس من ذلك فقد شهدت الأشهر الأخيرة انخفاضاً مستمراً في قيمة الليرة السورية وارتفاع معظم أسعار السلع والمواد الأساسية، وحول سبب ذلك يقول البربور: “تتقلّص الثقة يوماً بعد يوم مع انكشاف واقع الاقتصاد بعيداً عن السياسات الرمزية والتفاهمات غير المنفذة التي روّجت لها الحكومة خاصة في ظل عدم اليقين القانوني والسياسي الذي يوضّح استقلالية البنك المركزي عن السلطة التنفيذية الناشئة”.
من أهم المخاطر التي تهدد الاقتصاد في هذه المرحلة هو اعتماده على الاستيراد بشكل كبير ما يعني أن انخفاض قيمة الليرة “لا يترجم إلى دعم الصادرات كما يحدث في الاقتصادات القوية والمنتجة بل يتحوّل مباشرة إلى ارتفاع تكاليف الواردات خاصة من السلع الأساسية والطاقة”.
بناءً على ذلك تتسبّب هذه الحلقة بتضخم دفع التكاليف ومن ثم تضخم مستورد ما يسبب تراجع القوة الشرائية بسرعة كبيرة ويؤدي إلى دخول الاقتصاد في دوامة من الصعب كسرها أو تغيير مساره؛ “يمكن لأي شخص اليوم تصوّر ما سيحدث قريباً في المستوى العام للأسعار بسبب رفع أسعار الكهرباء وغياب أي ردة فعل من صانعي السياسات النقدية لاستيعاب هذا الضغط التضخمي”، يشرح البربور، ويخلص إلى نتيجة مفادها أن سعر الصرف سيستمر بالارتفاع ما لم تُتخذ مجموعة من التدابير التي تمنع ذلك، والعمل على إصلاحات جذرية تعيد بناء الثقة وتوفّر أدوات نقدية حقيقية بالإضافة لخلق مؤسسات اقتصادية مستقلة وقادرة على التدخّل، مبيّناً أن المشكلة ليست ظرفية ولا تقنية بل بنيوية تتعلق بالاقتصاد والسياسة معاً ولن يتغير المسار إلا بتغير المعطيات التي تحكمه اليوم”.
